وعلى هذا سار الصحابة والسَّلف وتابعيهم في فتح الدنيا، حتى أوصلوا الإسلام لنا، وقامت في الأرض حضارة المسلمين .. أما الذين يريدون أن يعيشوا في إسلام المرحلة المكية، فما ندري على ماذا يستندون؟ .. ولماذا لا يريدون أن يكونوا مكيين إلا في الجهاد .. ولماذا لا يتركون الصوم ويأكلون الربا، فهذه لم تشرع أحكامها إلا في المدينة .. أما المرحلة المدنية، فهي التي قال الله تعالى في خاتمتها:"اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينًا"والتي قال فيها:"فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب"والتي أمرنا فيها بالإعداد بغية الإرهاب .. نعم بغية إرهاب العدو، وآخرين من دونهم لا نعلمه الله يعلمهم .."وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكم، وآخرين من دونهم لاتعلمونهم الله يعلمهم"فمن عمل على إرهاب أعداء الله، فهو إرهابي لهم وليس هذا سبة يخجل منها، فهي أمر من الله في كتابه العزيز.
وحتى وهم يزعمون أنهم يعيشون مرحلة الجهاد المكي والصبر والكف، فليتهم يقومون بمقتضيات الجهاد المكي .. فهو أصعب وأشق من الجهاد المدني .. يقول ابن تيمية في الفتاوى الكبرى -فقه الجهاد-: (والله تعالى يقول:"هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله"بالحجة والبيان، وباليد واللسان هذا إلى يوم القيامة، لكن الجهاد المكي بالعلم والبيان والجهاد المدني باليد والحديد، قال الله تعالى:"فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادًا كبيرًا"وسورة الفرقان مكية، وإنما جاهدهم باللسان والبيان، ولكنْ بكَفٍ عن الباطل، وإنما قد بين في المكية"ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم"اهـ.
فكان المطلوب من مسلمي مكة جهاد البيان، وكانوا مأمورين بأن ينكروا على قومهم الكفر الذي هم فيه، ويعلنوا إسلامهم ومبادئهم وبطلان أحكام الكفار، وأن مآلهم إلى النار .. حتى أنَّ كثيرًا منهم كانوا يتعرضون للأذى من جراء مواقفهم، فلا مداهنة ولا مساومة، وإنما"لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد"فهل وقف مكيو القرن الخامس عشر الهجري هذا الموقف؟؟!!.
وأما الذين يتذرعون بالجهاد الأكبر وهو جهاد النفس مستندًا للحديث (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) وهو حديث موضوع كما ذكر ابن القيم، وقد ذكر آخرون أنه ضعيف جدًا، وأنه قول مأثور لأحدهم، وليس بحديث، فهؤلاء يدخلون الناس في دوامة لا نهاية لها ولا طائل تحتها .. والأصل أن الإنسان لا يقف عن مرحلة جهاد نفسه من المهد إلى اللحد، وأما الجهاد بمفهومه الفرضي كفاية أم عينًا، فهو القتال، وقد بين الله تعالى ذلك في قوله:"كتب عليكم القتال وهو كره لكم"وبين الرسول صلى الله عليه وسلم معنى القوة في قوله تعالى:"وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة"فقال: (ألا إن القوة الرمي ... ) فهذا هو الإسلام .. دين الرحمة ودين العنف .. دين قوم أشداء على الكفار رحماء بينهم. فما ضرنا أن المهزومين من أبناء جلدتنا وديننا يُعَيَّرون بالجهاد، ويخشون أن يقال لهم إرهابيين .. لإنْ كان الواجب الذي هو حكم الله لا يقوم إلا بالعنف فقد وجب، وإن كان في البيان والحجة فقد وجبت، والحقيقة أنه لا يقوم إلا بهما والله المستعان ..
حكم المرتد