فهرس الكتاب

الصفحة 523 من 564

يقول الشهيد المعلم سيد قطب رحمه الله في هذا السياق"لقد كمل هذا الدين، وتمت به نعمة الله على المسلمين، ورضيه الله لهم منهج حياة للناس أجمعين، ولم يعد هنالك من سبيل لتعديل شيء فيه أو تبديله، ولا لترك شيء من حكمهم إلى حكم آخر، ولا لشيء من شريعته إلى شريعة أخرى، وقد علم الله حين رضيه للناس أنه يسع حياة الناس جميعًا إلى يوم الدين .. وأي تعديل في المنهج -ودعك من العدول عنه- هو إنكار لهذا المعلوم من الدين بالضرورة يخرج صاحبه من الدين. ولو قال ألف مرة باللسان أنه من المسلمين. وماذا يكون الكفر إن لم يكن هذا وذاك؟ وما قيمة دعوى الإيمان بالله والإسلام باللسان، والعمل -وهو أقوى تعبيرًا من الكلام ينطق بالكفر أفصح من اللسان .. لقد علم أن معاذير كثيرة يمكن أن تقوم وأن يبرر بها العدول عن شيء مما أنزل الله، واتباع المحكومين للحاكمين وأن هواجس قد تتسرب في ضرورة الحكم بما أنزل الله كله بلا عدول عن شيء فيه، في بعض الملابسات والظروف، فحذر النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآيات من اتباع أهواء المتحاكمين ومن فتنهم له عن بعض ما أنزل الله إليه .."فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق". وأول هذه الهواجس: الرغبة البشرية الخفية في تأليف القلوب بين الطوائف المتعددة والاتجاهات والعقائد المتجمعة في بلد واحد، ومسايرة بعض رغباتهم عندما تصطدم ببعض أحكام الشريعة والميل إلى التساهل في الأمور الطفيفة أو التي يبدو أنها ليست من أساسيات الشريعة .."

وهل يجرؤ إنسان أن يقول: إن الله سبحانه وهو يشرع شريعته ويرسل رسوله الأخير ويجعل رسوله خاتم النبيين، ويجعل رسالته خاتمة الرسالات، ويجعل شريعته شريعة الأبد .. كان الله يجهل أن أحوالًا ستطرأ وأن حاجات ستتجدد كانت خافية عليه حتى انكشفت للناس في آخر الزمان .. ما الذي يستطيع أن يقوله .. وبخاصة إذا كان يدعي أنه من المسلمين؟ الظروف؟ الملابسات؟ عدم رغبة الناس؟ الخوف من الأعداء؟ ألم يكن هذا كله في علم الله وهو يأمر المسلين أن يقيموا بينهم شريعته وأن يسيروا على منهجه وألا يفتنوا عن بعض ما أنزله؟ قصور شريعة الله عن استيعاب الحاجات الطارئة والأوضاع المتجددة والأحوال المتقلبة ألم يكن ذلك في علم الله؟ وهو يشدد هذا التشديد ويحذر هذا التحذير؟ يستطيع غير المسلم أن يقول ما يشاء .. ولكن المسلم .. أو من يدّعوة الإسلام ما الذي يقولونه من هذا كله ثم يبقون على شيء من الإسلام ويبقى لهم شيء من الإسلام .. إنه مفرق الطريق الذي لا جدوى فيه من الاختيار ولا فائدة من المما حكة عنده ولاجدال إما الإسلام وإما الجاهلية .. إما إيمان وإما كفر .. إما حكم الله وإما حكم الجاهلية .. (طريق الدعوة في ظلال القرآ، ج2ص159 وما بعدها) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت