وهذا المعلم الواضح البارز على مفرق الطريق بين نظرة هذا الدين إلى الوشائج والروابط، وبين نظرات الجاهلية المتفرقة. إن الجاهليات تجعل الرابطة آنًا هي الدم والنسب، وآنًا هي الأرض والوطن، وآنًا هي القوم والعشيرة، وآنًا هي اللون واللغة، وآنًا هي الجنس والعنصر، وآنًا هي الحرفة والطبقة، وتجعلها آنًا هي المصالح المشتركة والتاريخ المشترك أو المصير المشترك .. وكلها تصورات جاهلية على تفرقها أو تجمعها -تخالف مخالفة أصيلة عميقة عن أصل التصور الإسلامي) اهـ. ثم يضيف في مكان آخر: (وهكذا تقررت تلك القاعدة الأصلية الحاكمة في علاقات المجتمع الإسلامي وفي طبيعة بنائه وتكوينه العضوي الذي يتميز به عن سائر المجتمعات الجاهلية قديمًا وحديثًا إلى آخر الزمان ولم يعد هناك مجال للجمع بين الإسلاميين وبين إقامة المجتمع على أية قاعدة أخرى غير القاعدة التي اختارها الله للأمة المختارة، والذين يدعون صفة الإسلام ثم يقيمون مجتمعاتهم على قاعدة أو أكثر من تلك العلاقات الجاهلية التي أحل الإسلام محلها قاعدة العقيدة، إما أنهم لا يعرفون الإسلام وإما أنهم يرفضونه والإسلام في كلتا الحالتين لا يعترف لهم بتلك الصفة التي يدعونها لأنفسهم وهم لا يطبقونها، بل يختارون غيرها من مقومات الجاهلية فعلًا) اهـ. ويقول:(ويحسن أن نذكر أن أعداء هذا الدين الذين يعرفون مواضع القوة في طبيعته وحركته وهم الذين يقول الله تعالى فيهم"الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم"لم يفتهم أن التجمع على أساس العقيدة سر من أسرار قوة هذا الدين وقوة المجتمع الإسلامي الذي يقوم على هذا الأساس، ولما كانوا بصدد هدم ذلك المجتمع أو إضعافه إلى الحد الذي يسهل عليه السيطرة عليه، شفاء ما في صدورهم من هذا الدين وأهله، ولاستغلال مقدراتهم وديارهم وأموالهم .. لما كانوا بصدد تلك المعركة مع هذا المجتمع لم يفتهم أن يوهنوا القاعدة التي يقوم عليها وأن يقيموا لأهله المجتمعين على إله واحد أصنامًا تعبد من دون الله، اسمها تارة"الوطن"واسمها تارة أخرى"القوم"واسمها تارة أخرى"الجنس"وظهرت هذه الأصنام على مراحل التاريخ تارة باسم"الشعوبية"وتارة"باسم الجنسية الطورانية"وتارة باسم"القومية العربية"، وتارة بأسماء شتى تحملها جهات شتى تتصارع فيما بينها داخل المجتمع الإسلامي الواحد القائم على أساس العقيدة المنظم بأحكام الشريعة .. إلى أن وهنت القاعدة الأساسية تحت إطار العلمانية، وتحت الإيحاءات الخبيثة المسمومة وإلى أن أصبحت"الأصنام"مقدسات يُعتبر المنكِر لها خارجًا على دين قومه أو خائنًا لمصالح بلده.
وأخبث المعسكرات التي عملت ومازالت تعمل في تخريب القاعدة الصلبة التي يقوم عليها التجمع الإسلامي الفريد في التاريخ .. كان هو المعسكر اليهودي الخبيث الذي جرب سلاح"القومية"في تحطيم التجمع المسيحي وتحويله إلى قوميات سياسية ذات كنائس قومية، وبذلك حطموا الحصار المسيحي حول الجنس اليهودي ثم ثنوا بتحطيم الحصار الإسلامي حول ذلك الجنس الكنود .. الخ) اهـ. ثم يضيف رحمه الله: (وما كان الإسلام ليخلص الناس من الأصنام الحجرية والأرباب الأسطورية، ثم يرضى لهم بعد ذلك أصنام الجنسيات والقوميات والأوطان .. وما إليها .. يتقاتل الناس تحت راياتها وشعاراتها، وهو يدعوهم إلى الله وحده وإلى الربوبية له دون شيء من خلقه، لذلك قسم الإسلام الناس إلى أمتين اثنتين على مرار التاريخ البشري أمة المسلمين من أتباع الرسل -كل في زمانه حتى يأتي الرسول الأخير إلى الناس كافة- وأمة غير المسلمين من عبدة الطواغيت والأصنام في شتى الصور والأشكال على مدار القرون ..