ولكن ظروف الاحتلال اليهودي وتصاعد الصحوة الإسلامية العارمة في المساجد والشارع الإسلامي في فلسطين، جعل الإخوان داخل فلسطين ينهجون منهج الانتفاضة رغمًا عن إدارة قيادة الإخوان في عمان، فانطلقوا من تلقاء أنفسهم وفرضوا الواقع على الإخوان في الأردن الذين سارعوا كالعادة إلى تبني الموجة وكأنهم هم الذين خططوا لها! وبدأ العديد منهم مع بعض الشخصيات الإخوانية المبعدة من داخل فلسطين يجوبون الآفاق ويعقدون المؤتمرات على أنهم ممثلو (حماس) وومثلو الانتفاضة، وهو دور يتقنه الإخوان كما مر معنا في التجربة السورية وسواها، وهنا تكمن الخشية على الانتفاضة المباركة من الاحتواء. إذ أن قيادة الأمر إذا وصل إلى أيدي هؤلاء الذين تعودوا المداهنة والوقوف في منتصف الطريق والحلول الوسط فإنه لن يكون منهم -والله أعلم- إلا أمثال العرض التي مر ذكرها كالتوسط لإدخال حماس في المجلس الوطني مثلًا بحجة إكسابها الشرعية .. والسيطرة على المنظمة وما إليها من أعذار اعتادوا وأجادوا رفعها. وكي نؤكد هذا التصور، نضرب مثالًا حقيقيًا من ممارسات الإخوان وموقفهم من الانتفاضة ومدى جديتهم في تطويرها إلى حركة جهاد حقيقي ضد اليهود. وهذا المثل الذي سنضربه بإذن الله، يعرفه العديد من قيادات الجهاد الفلسطينية وشبابها ولاسيما أولئك الذين شكلوا في فترة من الفترات تجمعًا حول المجاهد الشهيد عبد الله عزام (رحمه الله) في أفغانستان.
فمن المعروف أن الشيخ عبد الله عزام رحمه الله كان قد تحول إلى رمز للجهاد، عبر مساندته وممارسته وتأييده للجهاد الأفغاني، كما أنه أصبح رمزًا لتجمع الشباب العرب الذين توافدوا للمشاركة في هذا الجهاد بشكل عام، وللكثيرين من الشباب الفلسطيني والأردني بشكل خاص، ممن كانوا أقرانه أو تلامذته كواحد من مشايخ وقيادات الإخوان المسلمين في الأردن قبل أن يتخذ لنفسه نهجًا خاصًا على مسيرة الجهاد مخالفًا توجهات الإخوان داخل الأردن وخارجه ..
ومع الوقت أصبح الشيخ عبد الله عزام رحمه الله قطب تجمع لهذا الشباب حتى أنه بات خطرًا يتهدد قيادات الإخوان في الأردن خاصة بعد أن علموا أنه يوجه الشباب عمومًا نحو قضية المسلمين الأولى قضية فلسطين. إذ أن الكثيرين من أولئك الشباب بدأوا يكسرون الطوق الذي ضربته القيادة عليهم هناك ويفرون إليه طلبًا للتدريب والإعداد للجهاد عملًا لا زعمًا -دون إذن القيادة طبعًا-. وفي الفترة الأخيرة من حياة الشيخ رحمه الله اقتنع بأن يحول جزءًا من جهده ومن حوله من الشباب نحو إنشاء توجه مسلح يدعم انتفاضة حماس المدنية وشكل لهذا نواة مايزال العديد من الذين شاركوا فيها أحياء يروون وقائع هذا الأمر والحمد لله.
ومع بدء تكشف أخبار نزول بعض الشباب الذين تدربوا في أفغانستان إلى الأردن استعدادًا للعمل، بل ومباشرة بعضهم لعبور الحدود مع إسرائيل والقيام بعمليات جهادية فردية استشهادية الطابع، خشي الإخوان -ومَن وراءهم- من تفاقم هذا الأمر، أن يتحول التجمع الذي باشره الشيخ وباسم حماس المجاهدة أو المسلحة إلى كارثة تفسد مخططهم الطويل المدى، الحكيم الذي لا يتعجل قطف الثمار ولا يهدد مكتسبات الدعوة كما يزعمون! (مكاسب بدؤوا الآن يحصدون ثمارها مقاعد في الوزارة والبرلمان ويا لها من مكاسب!)