ففي الوقت الذي كان العمل العسكري في حلب يتقدم بنمو مطرد، كانت دمشق ساكنة لا حركة فيها، مما أثار استفسار الشعب في عموم البلد، وفي الوقت الذي كان السلاح وافرا في حماة كان مجاهدو حمص على بعد 45 كم فقط يشكون ضحالته وقلة تواجده ... وهكذا كانت سلبيات اللامركزية، ورغم كل هذه المصاعب والمشاكل التي ولدها تصعيد العمل العسكري غير المدروس، استطاع المجاهدون أن يشقوا طريقهم وأن يقفوا على أرجلهم، وتطورت وتيرة أعمالهم لا سيما في حلب وحماة، وكانت في معظمها منصبة على اغتيالات عملاء النظام، ومسؤولي الحزب، والمخابرات وأجهزة الأمن، ومهاجمة الدوريات ومخافر التفتيش، كما تطورت أعمال الدولة القمعية وتنكيلها بالأهالي، وأعمال الاعتقال العشوائي، وفرض جو من الإرهاب في البلد، وتأزم الموقف تأزما شديدا، ولم تجد الدولة مفرا من الاتصال ببعض المشايخ والعلماء في المدن المتأزمة لا سيما (حلب وحماة) ، لعلهم يستطيعون تهدئة الأوضاع، كما جرت مفاوضات مع قيادات الإخوان المسلمين في السجن وأفرجت الدولة عن بعضهم لعلهم يستطيعون تهدئة المجاهدين في الخارج .. وحدت الدولة من إجراءاتها القمعية بانتظار فترة المفاوضات.
قامت بعض الصلة بين العلماء والمجاهدين، كان أبرزها تلك التي حصلت في حلب بين (لجنة المشايخ) التي ترأسها (أبو النصر البيانوني) وبين المجاهدين، كذلك حصلت صلة بين بعض قادة الإخوان وبعض شبابهم الذين التحقوا بالجهاد المسلح عارضين عليهم مبلغا من المال ووثائق سفر لكل منهم لتسهيل خروجه من البلد لتهدئة الأوضاع!!!
بدت تلك المفاوضات باهتة جدا، فمن ناحية كانت مفاوضات بين جهات إسلامية لا تمثل سلطة على المجاهدين وبين الدولة، ومن جهة أخرى كانت عروض التهدئة مقابل طلبات تقدمت بها الجهات الإسلامية وكانت تافهة كالإفراج عن المعتقلين، وإنهاء الأعمال الإرهابية، وإعادة بعض الموظفين والمدرسين الإسلاميين إلى وظائفهم في حين كانت أهداف الحركة جذرية تريد إسقاط الاحتلال النصيري لإقامة حكم إسلامي محله.
لم يعر المجاهدون هذه المفاوضات أذنًا صاغية، وعاد الحال إلى الانفجار أشد مما كان عليه أما بالنسبة لقيادة الإخوان المسلمين في الخارج وقد تجمع جلهم في عمان، فقد شكلوا نواة قيادية من بقايا قياداتهم السابقة، ممن كان قد خرج أو أفرج عنه ولحق بأصحابه مع جزء من القواعد التي تيسر لها الخروج من البلد، وكان أن اتخذت قيادة الإخوان في الخارج قرارا بدخول المعركة في حزيران 1979 وذلك لسببين هامين:
الأول: أن النظام النصيري لم يفرق بين حربه بين طليعة ولا إخوان ولا صوفي ولا سلفي، وهم داخلون الحرب والنكال دافعوا أم لم يدافعوا، لاسيما بعد أن أصدر النظام النصيري القانون (49) القاضي بإعدام كل من ينتمي إلى الإخوان المسلمين لما اختلط عليه الأمر وصار كل متعاون مع المجاهدين بالنسبة له إخوان مسلمين يدخل تحت طائلة القانون.
الثاني: أن بشائر نصر مجيد وتأييد شعبي واسع تبدو للعيان، ولا بأس في المشاركة في نصر كهذا، فهم قادة الإسلام وأعلامه في البلد والمؤهلون ليكونوا البديل عن النظام! أما قواعد الإخوان فقد أرادت دخول المعركة -ونقصد من سلم منهم- أولا لأنها تتوافق وتربيتهم الإخوانية الجهادية وثانيا لأنه بدا أمرًا لا مفر منه وثالثا لأنه غدا قرار الجماعة الشرعية!