بعد تطور فكر وممارسات العمل الجهادي نرى أنه سيصل لا محالة إلى الجهاد على محورين اثنين، أولهما جهاد الأعداء الكفرة المرتدين من حكام ومن وراءهم من القوى الدولية اليهودية والصليبية وغيرها من قوى تتصادم معنا في ساحة العمل السياسي وهؤلاء جهادنا معهم بالسلاح وحوارنا معهم حدده سبحانه وتعالى بقوله"فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب"بالإضافة لدحض فكرهم الكافر بالحجة والبيان.
أما المحور الآخر من جهاد المجاهدين فهو جهاد المذاهب والطروحات والأفكار المنحرفة التي ترفعها العديد من الجماعات الإسلامية ولاسيما"الإخوان المسلمون المعاصرون أصحاب المنهج الديمقراطي ومن على شاكلتهم"ونوع هذا الجهاد هنا"جهاد حجة وبينة ودليل شرعي".
وفي كلتا الحالتين فإن أسلوب الجماعة المجاهدة في معركتها سواء مع الكفرة (بالسنان) ، أو مع منحرفي المسلمين (بالبيان) فإن العمل سيكون على محور بناء القوة الذاتية في نفس الوقت الذي نتصدى به لمهمة هدم قوة الخصم، إذ لا يعقل أن أتفرغ لبنائي الخاص تاركًا العدو أو الخصم يبني أيضًا.
أولًا: لأنه لن يتركني وشأني. وثانيًا ليس من العقل أن أنسى أهمية الاتيان على بنائه من القواعد قبل أن يشتد ويتأصل.
ففي حالة قتالنا للعدو الكافر فإننا نعد ونتدرب ونتسلح ونبني أنفسنا من خلال معركة مفتوحة نتصدى بها للعدو، فنحاول هدم ما بنى من قوته الذاتية ومنعه من التقدم فيها واستكمالها وهذا بيِّن. أما في الحالة الثانية وهي (جهاد البيان) وتصدينا للمذاهب والطروحات والرايات المنحرفة التي اقتحمت ساحة العمل الإسلامي بكل ضراوة وقوة، فإنه يتوجب على الجماعة المجاهدة أن تبني فكرها السياسي الشرعي وتأطر نهجه وتطور برامجه في نفس الوقت الذي تتصدى فيه لفكر المناهج الهدامة المنحرفة فتقوضها وتهدمها بالدليل الشرعي والأسلوب الشرعي .. ولا يغرنا ولا يخذلنا هنا قول القائل لما لا تعملون بما تقتنعون به وتتركون الآخرين ليتموا بناءهم ويعملوا للإسلام على طريقتهم ولماذا لا نعمل على ما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه؟! فهذا الكلام المزين الذي يراد به باطل مردود من عدة وجوه:
أولًا: هو مردود بأمر الله تعالى إذ قال:"وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه"،"إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بينّاه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون"،"كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون"،"فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله"،"وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل ا لمجرمين"، وهكذا .. نقض الباطل وبيان ذلك ثم بناء الحق. وهو مردود بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي كان وهو يدعو لله الواحد القهار يسفه آلهة قريش حتى أنهم كانوا يرجون أبا طالب أن يكف عنها ويرضون منه ما وراء ذلك من الفعل.
كما أنه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يهدم في نفوس أتباعه الجدد الباطل والانحراف ويملؤها بالحق والهدى، ولذلك قال الصحابي رضي الله عنه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرغنا ثم يملؤنا) ولذلك فإن هدم فكر الباطل ولاسيما المتلبس بمسوح الإيمان والإسلام زورًا، عملٌ أساسيٌ على طريق بناء الحق صافيًا لا تشوبه شائبة.