تفقه فيه وأحاط بأسرار هذا التشريع الرباني ولله الحمد. ولكثرة دفاع هذين الإمامين أبي الحسن وأبي منصور ومن تفقه بهما عن أصول الدين وتصنيفهم في هذا العلم، وسلوكهم طريق الاستدل على ما يقتضيه الفهم الصحيح للكتاب والسنة والعقل المستنير بمصباح التقى، والذي لم يتدنس بظلمات البدع والهوى، ولظهور خمود نار تلك البدع المضلة على أيديهما وأيدي تلاميذهما اشتهر أهل السنة بعدهما بلقب الأشعرية والماتريدية. لما قلنا كان ذلك، لا لأنهما ابتدعا في أصول الدين ما لم يأذن به الله حاشاعما من ذلك، فإنهما وأتباعهما هم الذين قامت بهم السنة ولا تزال تقام، وماتت بهم البدعة ولا تزال تمات، ومن أحاط خبرا بما عليه الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالحين في أصول هذا الدين وعقائده، وأخذ ذلك من مظانه من كتب أهل الحديث والتفسير الذين يعولون في نقولهم على ما ثبت من الأسانيد لا يجد أدنى ريبة في أن ما دونته الأشاعرة والماتريدية في أصول الدين من العقائد المبسوطة المدعمة بالحجج النقلية والعقلية هو ما عليه الصحابة الكرام، والتابعون لهم بإحسان، فهم بحمد الله الجماعة والفرقة الناجية والسواد الأعظم من هذه الأمة، وما بين هاتين الطائفتين خلاف موجب لفسق ولا بدعة، فهم في الحقيقة طائفة واحدة اختلف لقبا مما بسبب تعدد الإمامين، هذا الأشعري وهذا الماتريدي، كما اختلف المهاجرون والأنصار في الاسم وهم جميعا طائفة واحدة، وجماعة غير مختلفة، فجزى الله الجميع عن الإسلام خير الجزاء. وبهذا البيان تعلم أنا إذا قلنا الأشعرية أو الماتريدية كان معناه الجماعة الذين أخذوا عن الأشعري أو الماتريدي ما عليه الصحابة والسلف من أصول الدين المتلقاة من الكتاب