هذا الترجيح مخالف للاتفاق، كما أسلفنا لك قريبا، ومن البين جدا أنه إنما اختارها ليوقع في النفوس أن الرسول عليه الصلاة والسلام ما نفى إلا تقدم الحوادث عليه تعالى ولم ينف مقارنتها له تعالى.
ولولا ما فيه من هوى صرفه عن الهدى لفهم كما فهم أهل العلم أن لامعنى المقصود من لفظ هذه الرواية هو عين المعنى المستفاد من الروايات الأخرى وهي: كان الله قبل كل شيء، كان الله ولم يكن شيء غيره، كان الله ولا شيء معه، وهذا هو الذي يدل عليه الكتاب العزيز من قصر الأولية عليه عز وجل وحده، فإنه يفيد أنه سبحانه الموجود بلا ابتداء حين لا شيء من الأشياء، ولا حادث من الحوادث أصلا ثم أوجدها كما شاء على ما شاء، فإنه الواحد المختار في فعله، وهكذا فهم أهل العلم كلهم فإنهم متفقون على أن الأول بلا ابتداء إنما هو الله وحده، وأن للحوادث أولا لا خلاف في ذلك، وإنما اختلفوا في تعيين أول الحوادث أي شيء هو، أهو الماء أو غيره. ألا ترى إلى قول عمران رضي الله عنه فأخذ صلى الله عليه وسلم يحدثنا عن بدء الخلق، وإلى قول عمر رضي الله عنه: قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم مقاما فأخبرنا عن بدء الخلق، وما روى السدى الكبير الثقة وهو إسماعيل بن عبد الرحمن أن الله لم يخلق شيئا مما خلق قبل الماء، وقول عبادة بن الصامت رضي الله عنه: أول ما خلق الله الخ، أليس ذلك كله دالا على أنهم متفقون على أن للحوادث أولا ومبدأ ابتدأ الله خلقه به، وأن الله تبارك وتعالى متحقق الوجود قبل ذلك الحادث الأول بلا ابتداء لوجوده الأعلى ولا شيء من الحوادث إذ ذاك معه.
وربما استروح هذا المفتون بقول العلماء بأنه سبحانه لم يحدث له بخلق