الحسية الجسمانية، لما كان ثم مانع من تفسيرها، ولوجب إثبات الكيف لها. ومن العجيب أن ترى قادة التشبيه وأئمة التجسيم كالحراني وسلفه وخلفه ينقلون عن أكابر الأئمة قولهم (أمروها كما جاءت) وقولهم (نؤمن بها بلا كيف وبلا تشبيه ولا تعطيل) ونهيهم أشد النهي عن تفسيرها ويستشهدون بهذا الذي نقلوه على أنهم قائلون بالجهة وبالأجزاء. والذي نقلوه عن هؤلاء الأكابر إنما هو حجة عليهم لا لهم فإن نفى الكيف ونفى التشبيه، وتسميتهم للوجه واليد ونحوهما بالصفات لا الأجزاء ولا الأعضاء صريح في براءة ساحة أئمة الدين مما ألصقه بهم أئمة التشبيه والتجسيم.
وإني أعود فأكرر لك القول أن كون الشيء جسما وكونه ذا قدر معين، وفي جهة من الجهات الست ــ إنما هو من لوازم كونه ممكنا محتاجا إلى من يخصصه بهذا القدر دون ما عداه، وبتلك الجهة دون سواها ولا يكون هذا المخصص إلا واجب الوجود، وقد أقام القرآن البراهين الساطعة على وحدانية واجب الوجود وهو الله لا شريك له، فتعين أنه الخالق يتعالى عن أن يكون متصفا بشيء من لوازم الحدوث والحادثات.
ولظهور كون الأشياء مقدرة، ولوضوح كون المقدر محتاجا إلى خالق بدأ الله عباده بتعريفهم بأنه هو الذي خلق.
ولما كان من البين أن الأجسام من حيث هي أجسام حادثة غير قديمه محتاجة إلى خالق لها يتعالى عن الاتصاف بسمات حدوثها، جاءت هذه الآيات الكريمة بهذا الأسلوب الجالى لصدأ القلوب وهي قوله سبحانه (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون، أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون) فاستفهمت على سبيل الإنكار كما ترى، ولم يذكر في هذه المخلوقات حركة وانتقالا ولا صفه ولا حالا، بل اتى بضمير الناس، وهو الواو في خلقو وبلفظ السموات