فهرس الكتاب

الصفحة 252 من 532

ذلك لم يخف عليه ما يراد من كلامهم، والاستواء من تلك الألفاظ العربية يكون لازما فيكون له معنى، ومتعديا بإلى فيكون له معنى آخر، وبعلى يكون له معنى ثالث، وباختلاف المجرور بعلى يختلف المعنى المراد به أيضا فيقال استوى الزرع، إذا أدرك واستوى الشاب، إذا تكامل شبابه، واستوى إليه، إذا قصد إليه بالإرادة والتوجه، واستوى على الداب إذا ركب عليها، واستوى على السرير إذا قعد عليه.

وكان مما سبق قبل تزول القرآن أن من روادف الملك الجلوس على السرير والاستواء على عرش المملكة، ثم شاع التجوز بهذا التركيب عن تولى المملكة والقيام بالتصرف فيها، حتى صار يقال استوى على عرش المملكة الفلانية إذا تولى ملكها. ويقال ثل عرشه إذا زال عنه الملك، وكثر ذلك حتى أصبح لا يكاد يلتفت الذهن إلى المعنى الأصلي الأولى المنقول منه فإذا سمع العربي استوى فلان على عرش العراق أو على عرش مصر لم يخطر بباله قعود على عرش ولا جلوس على سرير بل يسبق فهمه إلى المعنى المراد بهذا التركيب، وهو أنه تولى الملك على ذلك القطر ولو لم يكن له عرش بل لو قيل بدل هذا التركيب جلس فلان على عرش المملكة الفلانية أو قعد لم يتوجه ذهن صاحب السليقة العربية والعارف بأساليبها إلى قعود ولا إلى عرش بل إلى أنه قد ملك وقام بأمر الملك حتى لو فرض أن ذهب ذلك السامع إلى تلك المملكة ورأى ذلك الملك لا يجلس على سرير ولا عرش له، ولكنه هو القائم بالملك يقعد للحكم كيف اتفق ويجلس للرعية على الحصير أو الأرض لم يخطر على باله أنه قد كذبه محدثه لجلوسه على عرش تلك المملكة بل يستيقن أن الخبر (بالضم) قد صدق الخبر (بالفتح)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت