فهرس الكتاب

الصفحة 253 من 532

فإنه لم يفهم من ذكر القعود على العرش إلا الأخبار بأنه هو الملك، ولو أنه حين ذهب إلى تلك المملكة رأي المحدث عنه قاعدا على سرير الملك ولكنه ليس بحاكم ولا ملك وإنما الملك رجل آخر سواه لجزم حينئذ بكذب محدثه، ولو أن محدثه اعتذر إليه بأنه قصد المعنى الأولى المنقول منه لم يقبل له عذرا ورآه عن الأسلوب العربي المعتاد بمعزل، إذ المقصود بذكر هذا التركيب الأخبار بالملك إثباتا أو نفيا، فإذا قال القائل إن فلانا جلس على عرش كذا من الأقطار أو لم يستو عليه، كان معنى كلامه المتعارف عند المخاطيين أنه هو الملك في الإثبات أو ليس هو الملك في النفي، ولم يزل الأمر على ذلك في العربية مهيعا مسلوكا وطريقا مألوفا حتى نزل القرآن العزيز، والعربية في أوج فصها حتها ومنتهى بلاغتها، فخاطبهم بما بز أساليبهم وأعجز مصاقعهم في كل معنى من المعاني التي أراد تنويرهم ببيانها، وإخراجهم من ظلماتهم إلى نورها وكان مما شاع بينهم الشرك على أنواع متنوعة وأشكال مختلفة، بل الشرك كان شائعا بين أصناف البشر كلها، وكان منهم الإشراك به تعالى في الخالقية فيقولون بخالقين أو أكثر، ومنهم من يشرك به في الملك، فيقولون إن له ملك السموات (( وأما الأرض ففيها معه شركاء يتصرفون في الملك، فهدم الله هذا وهذا فقال(إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش) فبين بالجملة الأولى أنه الواحد في خلق العوالم كلها لا خالق معه ولا شريك له في الخلق ثم بين بالجملة الثانية أنه المنفرد بالملك، لا شريك له في ملكه، لا في العوالم العليا ولا في العوالم السفلى، ولذلك ختم الآية بهذه الجملة الشريفة الآتية ي أروع أسلوب وأعذب بيان وهي قوله تعالى (ألا له الخلق والأمر) مقدما الخبر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت