فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 532

لأفادة الحصر، والمعنى أن الخلق له لا لسواه وهو إجمال الجملة الأولى، وأن الأمر له لا لغيره، وهو معنى الجملة الثانية والأمر من لوازم الملك كما لا يخفى، فحاصل الكلام أن ربكم هو الخالق لا خالق سواه وهو الملك المتفرد بالملك، لا ملك سواه، وظاهر أن الملك الذي هو التصرف من الملك كما يشاء في الأشياء الموجودة إنما هو بعد إيجادها على ما شاء لها من أقدار وأشكال وصفات، ولهذا أبي بثم.

وقد علمت مما أٍلفنا أن معنى الملك يؤدي بعدة ألفاظ، كقعد على العرش وجلس عليه وعلا عليه، ولكن القرآن العزيز مع كونه كرر هذا المعنى في سبعة مواضع منه ــ ومن عادته التفنن ــ لم يأت بجلس ولا بعلا ولا نحوهما، وإنما اختار استوى لأنها أعذب مبنى وأثرى معنى: فإن في معنى الاستواء فوق إفادة الملك الإشارة إلى أنه تصرف فيه على السواء (وهو القسط والعدل) ولا توجد هذه الإشارة في غير هذا اللفظ الشريف، وترى القرآن في هذه المواضع كلها ما ذكر الاستواء على العرش إلا بعد ذكر خلقه لعوالم أو رفعه السموات بغير عمد، كما يعلم من استقراء الآيات الشريفة، والخلق الذي هو الإيجاد على قدر مخصوص لا يكون إلا ممن وجب وجوده وتنزه عن الإمكان فضلا عن الحدوث ولوازمه، وكذلك رفع السموات بغير عمد فهو قرينة لفظية تصرف معنى الاستواء عما يتوهمه الجاهلون وبخطر بأسارى الأوهام والساقطين عن درجة أهل الأفهام، ومن أجل ذلك قالوا الاستواء معلوم غير مجهول، والكيف غير معقول وصدقوا رضي الله عنهم إذ الكيف الذي يسأل عنه إنما يتصور إذا كان هذا الاستواء جلوس جسم على جسم، وقد عرفت أنه إذا قيل جلس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت