فإن العظمة الإلهية أرفع من ذلك وأعلى، ولما كان مما يستبعده الجاهلون تأبيد العذاب والمعذبين ولا سيما إذا كانت دار العذاب هي النار وقد أخبرهم أنه فاعل ذلك لا محالة بمشيئته دفع ذلك الاستبعاد بخاتمة الآية الأولى وهي قوله سبحانه (إن ربك فعال لما يريد) مهما كان المراد بعيدا في أنظار القاصرين عن معرفة سعة القدرة الربانية وعظم نفوذ الإرادة الإلهية فليس شيء على ذلك الجناب ببعيد، وزاد عز وجل أهل الجنة طمأنينة على أن مشيئة انقطاع نعيمهم غير واقعة منه سبحانه في وقت من الأقات فقال وله الحمد (عطاء غير مجذوذ) يعني غير مقطوع. قال المولى أبو السعود في تفسير قوله (إلا ما شاء ربك) في الآية الأولى: (( يعني أنهم مستقرون في النار في جميع الأزمنة إلا في زمان مشيئة الله تعالى لعدم قرارهم فيها، وإذا لا إمكان لتلك المشيئة ولا لزمانها بحكم النصوص القاطعة الموجبة للخلود فلا إمكان لانتهاء مدة قرارهم فيها، ولدفع ما عسى أن يتوهم من كون استحالة تعلق مشيئة الله تعالى بعدم الخلود بطريق الوجوب على الله تعالى قال(إن ربك فعال لما يريد) يعني أنه في تخليد الأشقياء في النار بحيث يستحيل وقوع خلافه فعال بموجب إرادته، قاض بمقتضى مشيئته الجارية على سنن حكمته الداعية إلى ترتيب الأجزية على أفعال عباد ))اهـ.
ومن أهل العلم من جعل الاستثناء من الخلود في عذاب النار ونعيم الجنة، وذلك بأن أهل النار لا يخلدون في عذاب النار وحده بل يعذبون بالزمهرير وبأنواع من العذاب سوى عذاب النار وبما هو أغلظ منها كلها وهو سخط الله عليهم وخسؤه لهم بقوله سبحانه لهم (اخسؤوا فيها ولا تكلمون) وإهانته إياهم، وكذلك أهل الجنة لهم سوى الجنة ما هو أكبر منها وأجل موقعا منهم، وهو رضوان الله كما قال تعالى (ورضوان من الله