فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 532

جعل لهما الأبد ولم يجعل لهما الأمد )) اهـ، ولو تتبعت ما تشبث به الحراني في الاحتجاج لهذا القول من عزوه إلى السلف ما رأيت إلا كلاما إما مكذوبا على من نسب إليه أو مؤولا لم يرد به قائله ما أراد الحراني نسبته إليه، وكثيرا ما تجد التصريح بأبدية النار وخلود أهلها فيها عمن نسب الحراني إليه القول بفنائها كما أريناك عن عمر وابن مسعود كما سنحكيه لك عن غيرهما، وقد استقصى شيخ الإسلام التقى في كتابه الاعتبار تفنيد مزاعمه فليرجع إليه من أراد ذلك. فان قلت أليس قوله تعالى (لابثين فيها أحقابا) دالا على ما ادعاه هذا الرجل ومن شايعه؟ قلت: هيهات ذلك ثم هيهات فإن الأحقاب هي المدد الطويلة وهي محتملة أن تكون متناهية وأن تكون غير متناهية فإذا كانت متناهية انقطع العذاب بعدها، وقد قطع عرق هذا الاحتمال قوله عز وجل لهؤلاء الذين قال فيهم (لابثين فيها أحقابا فذقوا فلن نزيدكم إلا عذابا) وقد قال السلف ليس أشد على أهل النار منها، فالآية حجة عليهم لا لهم ويحتمل الكلام العزيز وجها آخر يزول به عنك التشابه في الآية أيضا وهو أن الأحقاب التي يلبثونها ليست مطلقة كما في هذا أوجه، بل هي مقيدة بالجملة بعدها، وهي قوله تعالى (لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا) وهي في محل النصب على الصفة لأحقابا أو على الحالية من الضمير المستكن في لابثين. والمعنى أنهم يمكثون أحقا بالا يذوقون فيها إلا حميما وغساقا ولتكن تلك الأحقاب متناهية فإذا انتهت انتقلوا إلى أنواع أخر من العذاب كما قال سبحانه في آية أخرى (هذا فليذوقوه حميم وغساق. وآخر من شكله أزواج) فليس معناه أن الأحقاب إذا انتهت انتهى عذابهم وفنيت دارهم وخرجوا إلى دار النعيم، حاشا أن يكون ذلك كذلك، وإنما هو التقلب في أنواع العذاب من الشديد إلى الأشد، كما قال في هذه الآيات (فلن نزيدكم إلا عذابا) وقد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت