بلا نهاية مما يدرك حكمته العقل كما يقضي به السمع، فإن عقوبات الجرائم إنما تكون على قدرها كما قال تعالى (جزاء وفاقا) لا على قدر مدة التلبس بها. وأكبر الكبائر الكفر، ويليه قتل النفس التي حرم الله قتلها عمدا ظلما. والخلود قسمان كما مر مكث طويل ينتهى إلى أمد، ومكث لا ينتهى إلى أمد بل هو الأبد، فإذا جعل القسم الأول عقوبة القاتل صح عقلا أن يكون القسم الثاني هو عقوبة الجريمة الكبرى على الإطلاق، وهو الكفر والعياذ بالله تعالى، ولا تكون التسوية بينهما من العدل في شيء (فتبارك الله أحكم الحاكمين، وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا) وهو سبحانه من العظمة بحيث لا يجب عليه شيء ومن الحكمة بحيث لا يقضي إلا عدلا، ولا يحكم إلا بما اقتضته حكمته العليا، ولهذا يجمع في كتابه كثيرا بين وصفيه العظيمين العزة والحكمة. والملك والقدس، فيقول (وهو العزيز الحكيم) ويقول (لا إله إلا هو الملك القدوس) وعدم معرفة حكمته تعالى في بعض ما قضى به لا يقتضي عدم الحكمة في نفس الأمر وإنما يقتضي الجهل من هذا العبد والقصر ي علمه والنقص في إدراكه لأسرار قدر العليم الخبير، ومن سوى علمه بعلم خالقه فقال فيه سبحانه: ما كان يصح منه هذا أو كان ينبغي له هذا، فما عرف نفسه وما عرف ربه، وأيضا، فالعقوبات على قسمين: منها ما يكون للتأديب والتهذيب إذا كان المعاقب أ 9 لا لذلك: ومنها ما يتمحض للتنكيل حيث لا يكون المعاقب أهلا للانزجار ولا محالا للاعتبار، وليس فيه للندم على ما فرط منه مغرز إبرة، كما تراه في أصناف المجرمين إذا كنت بصيرا، فإن منهم من يكون قابلا للفيئة عن قرب أو بعد ومنهم من لا يزداد وإن عوقب إلا عتوا وعمى عن الحق، واستحسانا