فهرس الكتاب

الصفحة 298 من 532

لما فعل من جرائم، والله بعباده خبير بصير، فمن مات وفيه أصل الإيمان كانت عقوبته من القسم الأول، وكانت في باب الرحمة أدخل منها في باب العقوبة، أو نقول: كانت رحمة خالصة في حقيقتها، عقوبة ظاهرة في صورتها، ومن هنا تفهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم (( لا يقضي الله عز وجل للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له ) )حتى إذا عملت العقوبة الصورية فيه عملها وعلم الله منه بلوغه مرتبة المهذبين المؤدبين أخرجه بفضل إحسانه إلى الرحمة ظاهرا وباطنا وهي الجنة، فإنها حينئذ قد صلحت له وصلح لها، ومن مات على كفره وليس فيه من الإيمان حبة خر دل ولا أدنى من ذلك، وقد أخبره الله في هذه الحياة أنه لا يقبل منه توبة ولا إسلاما إذا مات وهو كافر، وقد علم الله منه أن العقوبة لا تخلصه مما انطبعت عليه نفسه من الشر واستحسانه والكفر والرضا به والبقاء عليه إذا هو عاد إلى حياته الدنيا، كما قال وهو أصدق القائلين وأعلم العالمين (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون) من كان على ما وصفنا كانت عقوبته من القسم الثاني، ولم يكن أهلا لأن تناله الرحمة، فإن الرحمة وإن اتسعت بغير نهاية ولم تقف عند حد ولا غاية، إنما تكون على ما تقتضيه الحكمة، فإنه وهو الرحيم الأرحم هو الحكيم الذي لا تنتهي حكمته وهي أجل وأعلى من أن تنال غايتها لعقول العليا، فما بالك بالعقول المقيدة بقيود الأوهام، المحبوسة في سجون الهوى والتعصب، لما قال فلان أو رأى فلان.

ولقصور العقول عن بلوغ حكمته أعطاهم هذه الكلمة العليا والحكمة الكرى (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) فإن الذي يسأل عما يفعل إنما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت