بعد الفتح ما على الأنبياء من المباني لا الصحابة ولا التابعون لهم بإحسان، فكان بينا من هذا كله أن حديث النهي عن البناء على القبور ليس عاما في جميع القبور، بل يستثنى منه قبور الأنبياء والصالحين، كما قال أصحاب هذا القول، ويحملون كلام الإمام في الأم على هذا المعنى الخاص. فإن الإمام رضي الله عنه معروف بسعة النظر وثقوب الفهم، وهو وإن رأى من الولاة من يهدم ما بنى على بعض القبور ولم ينكر عليهم فقد علم اتفاقهم على البناء على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه وعلى قبور غيرهما من عظماء الملة، فينبغي أن يكون المراد بكلامه في هدم البناء الخصوص لا العموم، وليس البناء عليها لغرض الزينة ولا إضاعة للمال إنما هو لأغراض شريفة شرعية منها تعظيم شعائر الله، وحرماته، وقد قال تعالى (ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه) وقال سبحانه (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) والحرمات والشعائر عام لا يختص بمناسك الحج ومشاعره، وإنما تدخل فيه دخولا أوليا كما لا يخفى على خبير بالأصول، عليم بدقائق تفسير الكتاب العزيز، ومنها أن يكون علامة ومنارا لقبر هذا المعظم الذي ندب الشرع إلى زيارته باقيا على الدهر ليحفظ من الاندراس.
وجعل العلامة على القبر مما صحت به السنة: روى ابن ماجه بسنده وهو حسن كما قاله في الزوائد عن أنس بن مالك (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولفظه: لما مات عثمان بن مظعون ودفن أمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلا أن يأتي بحجر فلم يستطع حمله، فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسر عن ذراعيه ــ قال الراوي ــ كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول