ومن رافقه التوفيق وفارقه الخذلان ونظر في المسألة نظر الباحث المنصف علم يقينا لا تخالطه ريبة أن مسمى العبادة شرعا لا يدخل فيه شيء مما عده من توسل واستغاثة وغيرهما، بل لا يشتبه بالعبادة أصلا فإن كل ما يدل على التعظيم لا يكون من العبادة إلا إذ افترن به اعتقاد الربوبية لذلك المعظم أو صفة من صفاتها الخاصة بها ألا ترى الجندي يقوم بين يدي رئيسه ساعة وساعات احتراما له وتأدبا معه فلا يكون هذا القيام عبادة للرئيس شرعا ولا لغة ويقوم المصلى بين يدي ربه في صلاته بضع دقائق أو بعضها قدر ما يقرأ الفاتحة فيكون هذا القيام عبادة شرعا، وسر ذلك أن هذا القيام وإن قلت مسافته مقترن باعتقاد القائم ربوبية من قام له ولا يقارن ذاك القيام هذا الاعتقاد.
ولو كان ذلك القائم من الكافرين الذين يعتقدون ربوبية الملوك والأمراء كان قيامه بين يديه وإن قلت مسافته عبادة لذلك الأمير خرج بها عن الملة بل خرج بمقتضيها من نفسه وهو اعتقاده ربوبية غير الله عز وجل، والأمثلة في هذا المعنى كثيرة جدا يعرفها الفطن بلا حاجة إلى مزيد تأمل، فلا نطيل بسردها في هذا المؤلف الوجيز، وقول هؤلاء المغرورين: إن الكافرين الذين بعثت لهم الرسل كانوا قائلين بتوحيد الربوبية وأن آلهتهم لا تستقل بنفع ولا ضر، وإنما كان شركهم بتعظيمهم لغير الله بالسجود له، والاستغاثة به، والنداء له والنذر والذبح له إنما هو قول من لم يعرف التوحيد ولا الإشراك ولا المعقول ولا المنقول في كتاب الله وسنة رسوله ولا ألم بتاريخ الأمم قبل البعثة. ألم يحك الله في كتابه عن يوسف عليه الصلاة والسلام قوله في إرشاد صاحبي السجن (أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) ؟ هل يقال ذلك إلا لمن اعتقد