إلى أن قال: فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة سواك بمغن عن سواد بن قارب
وأقره رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينكر عليه طلب الشفاعة منه، ولو كان ذلك مكروها ما أقره، فكيف إذا كان شركا؟! وقد قدمنا مرارا أن الشفاعة هي من الدعاء، ولذلك عرفها العلماء بأنها طلب الخير للغير عند الهول، فإذا قال القائل للنبي أو الولي: (( اشفع لي ) )أو (( أسألك الشفاعة ) ). فمعناه ادع لي، أو أسألك الدعاء. ولم يقل أحد من أهل العلم بأن ذلك مكروه، فضلا عن أن يكون حراما، فضلا عن أن يكون شركا؟ بل هو بالإجماع من السنة الظاهرة المشهورة، ولا فرق في هذا الطلب بين أن يكون ممن هو في الحياة الدنيا أو في الحياة الأخرى، وفهم ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذا أبو عبد الرحمن بلال بن الحارس المزني صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحامل لواء مزينة في جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح. لما أصاب الناس قحط في عهد عمر، جاء بلال هذا فوقف عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فناداه: يا رسول الله استسق لأمتك؛ فإنهم قد هلكوا، فهذا طلب الشفاعة والدعاء منه عليه الصلاة والسلام بعد وفاته. والعهد عهد الصحابة، والمسجد ممتلئ بالأكابر منهم، فلم ينكر عليه أحد، ولا عده خلاف الأولى، ولم يقل منهم قائل إن هذا من القبوريين المشركين عباد القبور وأهل القبور. وقد أخرج هذا الأثر ابن أبي شيبة بسند صحيح، والبيهقي في (( دلائل النبوة ) )بسند صحيح أيضا، بل وقع منهم رضي الله عنهم ما هو أبلغ من ذلك في التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستمع: