فهرس الكتاب

الصفحة 418 من 532

أخرج الدارمي في سننه في باب (( ما أكرم الله نبيه به بعد موته ) )عن أبي الجوزاء أوس بن عبد الله التابعي الجليل قال: قحط أهل المدينة قحطا شديدا، فشكوا إلى عائشة. فقالت: انظروا قبر النبي صلى الله عليه وسلم فاجعلوا منه كوى إلى السماء؛ حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، قال: فعلوا، فمطرنا مطرا حتى نبت العشب، وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم؛ فسمى عام الفتق. وقولها: اجعلوا منه كوى ــ أي مما يحاذيه من سقف الحجرة الشريفة ــ والكوى: جمع كوة كقوة، والمراد بها النوافذ الصغيرة. وقحط ــ من باب خضع وطرب ــ مبنيا للفاعل، وقد يبنى للمفعول، وهو قليل. فهل يقول أولئك المبتدعة في أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق التي هي من أعلم أصحابه صلى الله عليه وسلم، وفيمن شهد هذه الواقعة من أجلاء الصحابة وأكابر التابعين إنهم قبوريون مشركون؟ وهم في هذا الواقعة إنما توسلوا بما له تعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم، وحقق الله رجاءهم، وقبل استشفاعهم. وأي ملام على المسلمين في أن يأخذوا بالأسباب التي جعلها الله مفاتيح لخيره، وأبوابا لرحمته، مع جزمهم بأن ذلك من سنن الله التي وضعها لعباده، على ما تقتضيه حكمته؟!.

وفي صحيح مسلم وغيره عنه عليه الصلاة والسلام: (( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ) )... ثم قال: (( احرص على ما ينفعك ولا تعجز؛ فإن فاتك شيء ــ أي بعد ما بذلت الوسع فيما تقدر عليه من السنن التي وضعها الله ــ فقل: قدر الله وما شاء فعل، ولا تقل (( لو ) )؛ فإن (( لو ) )تفتح عمل الشيطان.

وإن من السنن الإلهية التي وضعها الله لقضاء حوائج عباده التوسل به صلى الله عليه وسلم، والشكوى إليه، والاستغاثة به، وكذلك بصالحي أتباعه، في الحياة وبعد الوفاة، شهدت بذلك صحاح الأحاديث والآثار، وتجارب المقربين الأخيار، بل وعامة المؤمنين السالمين من البدع والإنكار. وكم من أزمة استحكمت حلقاتها، وأمراض استعصى على أطباء الأبدان علاجها، وقلوب مرضت بأمراض فتن الشبهات أو الشهوات طال زمانها، حتى إذا فزع فيها المؤمنون إلى الله، متوسلين مستغيثين بسيد المرسلين والأكابر من الصالحين، أسرع الفرج، ونزل الشفاء، وزال العسر، وجاء اليسر. وفي كتب العلماء الصحيحة، والحكايات المروية بالأسانيد الثابتة، بل في الأحاديث الصحاح، والآثار التي لا مطعن فيها ما يثبت للباحث المنصف صدق ما قلنا. ومن تلوث باطنه بجراثيم البدع والهوى، انقلبت في نظره الآيات والكرامات إلى أوهام وخيالات، في فيض في الإنكار، حتى يريك النهار ليلا، ويخيل إليك أن الليل نهار، كما تراه في تشكيكات مؤسس هذه البدعة، وباث جراثيمها، الإمام الحراني في كتاب (( الفرقان ) ). ومن قرأه بإمعان علم أنه كتاب تشكيك وتلبيس، لا يخرج منه قارئه إلا شاكا في كل كرامة، ومبتلى بجراثيم الطعن على كل آية، وإن تستر فيه بالقول بالكرامات، ومدح الصحابة وبعض السادات. فدعه وما ابتلي به. نسأل الله العافية لنا وللمسلمين مما ابتلاهم به.

واستمع إلى ما روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عمر البيروني، والحاكم أبو أحمد. كما ذكره ابن كثير في تفسيره عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رجلا يقال له حرملة أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الإيمان ههنا ــ وأشار بيده إلا لسانه؛ والنفاق ههنا ــ وأشار بيده إلى قلبه ولم يذكر الله إلا قليلا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم اجعل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت