الاستمداد سلوك للسنن الإلية التي أمر الله بسلوكها، أو أباحه تيسيرا بعباده. فلا يهولنك ما ترى من تشنيع أولئك المبتدعة الحرانيين على السادة العارفين، في قولهم بالاستمداد من الصالحين. على أن شيخ الابتداع نفسه في بعض كتبه في كلامه على حديث الضرير قد جوز أن يكون نداؤه عليه الصلاة والسلام من قبيل استحضار صورته وندائها. وارتضى ذلك مخلصا من الإشكال الذي ورد عليه بهذا الحديث الشريف. فهو حينئذ لم ير استحضار صورة الغائب والميت شركا. فالقول بان نداء الشخص والاستمداد منه شرك دون استحضار الصورة والخيال، هو كما لا يخفى على المحقق المنصف ضرب من الخبال.
وقد تكشف بنور الفراسات الصادقة لكمل الوارثين لسيد المرسلين عليه وعليهم الصلاة السلام الإخصائيين في علم النفس وعلوم التربية الروحانية؛ أن مبادئ الأخلاق الحميدة والأفعال السديدة إنما هي الأحوال الباطنة المرضية وأن من أقوى جواذب تلك الأحوال الشريفة إلى النفوس الضعيفة تكرار إخطار المتحققين بها بالقلوب، وإحضار صور هم في النفوس المرة بعد المرة، حتى إذا تمكن ذلك في النفس قويت الصلة الروحانية بين النفس الطالبة للكمال، وتلك النفس الكاملة، واشتد انعكاس تلك الأضواء على ما في النفوس الناقصة من الظلماء. فاحترق منها الشر. وانطبع فيها الخير تدريجا بإذن الله عز وجل. ولكل من التصورات الصالحة والفاسدة اثارها في النفوس بإذن بارئ الأشياء. كما لا يخفى على علماء النفس. وللوسائل حكم مقاصدها. ولهذا السر رغب رسول الله صلى الله عليه وسلم في اتخاذ الجليس الصالح. وبين مزايا ذلك بقوله الشريف (( مثل الجليس الصالح