قال ابن المبارك: معنى الكراهة في النذر. في الطاعة وفي المعصية. فإن نذر الرجل في الطاعة فوفى به، فله فيه أجر ويكره له النذر اهـ. قلت وللبحث في هذا الاستدلال مجال، فإن نذر التبرر غير المعلق لا يشمله ما احتجوا به من الأحاديث؛ ولذلك قال ابن دقيق العيد رحمه الله: إن النهى في الحديث محمول على النهى عن نذر المجازاة، أما نذر التبرر الذي ليس هو بنذر مجازاة _ فلا ينبغي حمل الحديث علليه؛ لأنه قربة محضة. يعنى فلا يكون مكروها. وكذلك أختار القرطبي في المفهم حمل النهى في الحديث على نذر المجازاة، كما نقله عنه في الفتح، وعلى هذا درج ابن الرفعة من أكابر الشافعية حيث قال: الذي دل الخبر على كراهته، نذر المجازاة، وأما نذر التبرر _ يعنى الذي لا تعليق فيه _ فهو قربة محضة، لأن للنار فيه غرضا صحيحا، وهو أن يثاب عليه ثواب الواجب، وهو فوق ثواب التطوع اهـ.
أقول: ومن تعليلهم هذا يؤخذ أنهم قائلون بكراهة نذر اللجاج أيضا، لأنه ليس قربة محضة. بل قال ابن الرفعة في الكفاية: (والظاهر أنه قربة في نذر التبرر دون غيره ) ) ومراده بنذر التبرر أحد قسميه وهو ما لا تعليق فيه، كما يعلم من عبارته التي قبل هذه. وربما يستأنس لهذا القول بما أخرجه الطبري بسند صحيح عن قتادة في تفسير قوله تعالى (يوفون بالنذر) قال (( كانوا ينذرون طاعة الله من الصلاة والزكاة والصيام والحج والعمرة وما افترض عليهم، فسماهم الله أبرارا ) )اهـ. ومراده أهم ينذرون نوافل هذه العبادات التي سماها، فإن الفرائض واجبة بأصل الشرع لا يتعلق بها النذر، فإنه كما سبق التزام قربة لم تجب بأصل الشرع. قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الأثر: (( وهذا صريح في أن الثناء وقع في غير