كثيرة جدا، سبق في قدره لكل قسم منها ما يقوم أوده ويبلغه درجة الكمال اللائق به، وكان منهم هذا النوع الإنساني، المختار على الخلق جميعا فأجزل في قضائه وقدره عليهم عطاءه، وأكثر خيره وميزه على الأنواع بالتمييز والعقل والإرادة والاختيار. والقدرة المنبعثة عن توجيه الإرادة وكان انبعاث الإرادة على الوجه النافع، إنما يتبع العلم الصحيح الذي يثمر الرغبة في الخير والرهبة من الشر. وكان الأصل فيهم الجهالة، كما تراه من نفسك ونبي نوعك، تخرج من بطن أمك لا تعلم شيئا، فكان ذلك مستتبعا في كرم الله تعالى أن يسبق في قدره لهذا النوع أن يصطفى منهم رسلا، ويكشف لهم جلية الأمر حتى يعلموا من بعثوا إليهم، فإذا أصفوا وتعلموا، ولم يتكبروا، تدر جوا في الخيرات حتى ينتهى بهم الأمر إلى السعادة الأبدية في دار النعيم، وإذا أعرضوا واستكبروا، كانوا على العكس من ذلك، وانتهى بهم الأمر إلى الشقاء الأبدي في الجحيم (( وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) )وكل ذلك هو قدر الحكيم العليم ألا تراه تعالى لما قال: (إن المجرمين في ضلال وسعر، يوم يستحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر) أتبعه بما يقيم الحجة عليهم. فقال (إنا كل شيء خلقناه بقدر) فكان القدر حجة له لا لهم. وكذلك إذا قولوا يوم القيامه (ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا) يعنون إلى الدنيا ... الآية، قال تعالى ردا عليهم (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول منى لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين، فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا ... ) الآية. والمعنى ولو شئنا لجعلنا الكل مؤمنين صالحين ولكنا أعطينا لكل من العقل والاختيار والاقتدار وبينا للكل ما يكفى