دفع الشبه (64) : إن هذا الفرق بين الحياة والممات أحدثه غلاة المنافقين من اليهود فأطال وأطاب، وتأيد بما نقله عن قاضى القضاة أبي الحسن على القونوي الشافعي في شرح التعرف، ــ وهو موجود في التيمورية ــ، والذي أخذه الشيخ الحراني من اليهود لا ينحصر في هذا الفرق، بل أخذ أيضا القول بتجويز حلول الحوادث في الله سبحانه من كتاب المعتبر (3 ــ 45 و 71 و 77 و 83) لأبي البركات ابن ملكا، فيلسوف اليهود المتمسلم، وهو احتاط في العبارة واقتصر على مثل العلم والإرادة، فجعله يتغير بالنظر إلى ما قبل حدوث الشيء وما بعد حدوثه وعد أن هذا التغير غير ضار، وابن تيمية وسع دائرة هذا الكلام فجعله يشمل الضحك والحد والحركة والمجيء والمس، والكلام بحرف وصوت، وما إلى ذلك من عوارض الأجسام، كما تجد جراءته البالغة على إثباتها له في منهاجه ومعقوله، ورده على أساس التقديس، مع أن ذلك يسد باب القول بحدوث الأجسام، بدليل حلول الحوادث فيها، وهذا يؤدي إلى نفي وجود الصانع جل جلاله، وهذا الخزي ناشئ من قياس الغائب على الشاهد، لأننا نرى الشخص شابا ثم كهلا ثم شائبا فيتغير علمنا تبعا لتغير الشخص المعلوم، فلو قسنا علم الله بهذا الشخص في أطواره بعلمنا به يتوهم التغير في علم الله فحاشاه من ذلك، لأن علم الله لا يشبه علم المخلوق بوجه من الوجوه في غير مجرد الاسم، وكذا سائر الأسماء والصفات، بل علم الله حضوري ثابت غير متغير، وعلم العبد بالمتجددات حصولي ارتسامي متغير، فلتقريب الأمر إلى الأذهان نضرب مثلا فنقول: إذا فرضنا أسطوانة كبيرة عليها ألوان من الأعلام العريضة المتوازية، من أسود وأبيض وأحمر، إلى غير ذلك، فلا شك