الذي فهمه الشذاذ من هذا الحديث، وتأويلا له بالمعنى الذي أسلفنا لك أو نحوه من الأجوبة التي ذكرها العلماء في تأويل هذا الحديث. فلا تكون رواية طاوس شاذة حينئذ، لأن الشذوذ فيها إنما يكون إذا حمل الحديث على ما قال أولئك الواهمون. والراوي أعلم بمعنى ما روى، فهو أولى بأن يؤخذ عنه المعنى. ومن هذا تعلم أنه ليس مقصود طاوس نفى رواية ابن عباس مطلقا، كيف وهو الراوي عنه؟! وإنما مقصوده أن ظاهره الذي يتبادر إلى الجاهل ليس مرادا، وقد أدرك طاوس عصر المبتدعة المخترعين لهذه الأكذوبة القائلة بأن عمر عدل عن السنة الصحيحة المشهورة الثابتة التي هي رد الثلاث إلى الواحدة إلى رأيه، وهو: جعلها ثلاثا ــ وحاشاه رضي الله عنه ــ ورأى استنادهم إلى ظاهر روايته، لحديث ابن عباس، فنفى رضي الله عنه روايته لهذا الحديث على هذا المعنى الذي زعموه وأشاعوه، وإنما معناه كما مر أن الثلاث كانت تجعل واحدة من ناس قليل لم يعلموا الناسخ، حتى أشاعه أمير المؤمنين، وأقره عليه مجتهدو عصره من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين، ولذلك نظائر في الأحاديث كما قدمنا. فجزى الله طاوسا وابنه خير جزاء. وكانت وفاة طاوس سنة ست ومائة، وقد ظهرت المبتدعة قبل هذا التاريخ بكثير.
وممن حكى إجماع الصحابة: الإمام الكبير أبو الوليد الباجي المالكي المتوفى سنة أربع وتسعين وأربعمائة في المنتقى. قال (( ومن الدليل على ما نقول، يعني لزوم الثلاث لمن أوقعها بكلمة واحدة ــ إجماع الصحابة، لأن هذا مروي عن ابن عمر وعمران بن حصين،