والحال أن ما يعطي هذه القراءة صدقها، أن النخب السياسية والثقافية، عادة ما تكون شديدة الوعي بمركزية"الرمز"ودلالاته الحضارية. صحيح أن الممارسات"الرمزية"، قد تبدو لعوام الناس عملا فنيا أو معماريا محضا، أو أنها خالية من أية دلالة سياسية أو ثقافية وهي في واقع الحال، اتجاهات تتقاطع فيها السياسة والثقافة والحضارة بشكل أو بآخر، غير أنها تتخذ من الرمز أو الفن أو من المعمار أدوات للتعبير عن نفسها؛ فلقد رفضت حكومة حزب الوفد المصري العلماني الليبرالي عام 1930، إقامة ضريح سعد زغلول في مسجد، وقررت بدلا من ذلك تشييده على شكل فرعوني وثني!! إذ أراد الوفد أن يخوض معركة سياسية مع دعاة"الجامعة الإسلامية"، ويعبر من خلال هذا المنحى -بناء القبر على الهيئة الفرعونية- عن انحيازه إلى فكرة"الوطنية المصرية"التي تستمد ثقافتها من"الفرعونية". وكانت الأخيرة قد دلفت إلى عقول بعض النخبة المصرية، بعد دخول الإنجليز مصر، وانتشار منهج التعليم"الدنلوبي"** الذي أعاد إحياء الثقافة الفرعونية، في إطار الاشتباك الثقافي بين الاستشراق الفرنسي من جهة، والاستشراق الإنجليزي من جهة أخرى، في محاولة من كليهما لفرض هيمنته الثقافية على المجتمع المصري. وبالمثل فإن رسم"أبي الهول"على أوراق العملة وعلى طوابع البريد -وهو منحى في ظاهره فني أو جمالي- كان يخفي بين تلابيبه دعوة سياسية إلى"الجامعة المصرية"، خاصة أن هذه الخطوة جاءت تقليدا لاتجاه مشابه اتخذه الكماليون بتركيا عقب سقوط الخلافة حين اتخذوا من"الذئب الأبيض"-وهو رمز أسلافهم من الوثنيين- شعارا لهم، وقرروا أن يرسم على طوابع البريد.
ونذكر في هذا الإطار أن قادة ثورة يوليو عام 1952، حظروا على الرجال ارتداء"الطربوش"، إذ اعتبر الانقلابيون -آنذاك- الطربوش رمزا لـ"الملكية"، وانتماء لثقافتها الاجتماعية.
وفي هذا السياق فإنه قد تباينت الآراء بشأن القانون الفرنسي الأخير الذي حظر ارتداء المسلمات للحجاب في مؤسسات الدولة الرسمية، البعض يرى أنه لا يتضمن أي شبهة تحيز ضد المسلمين، على أساس أنه يحظر أيضا الشارات الدينية الأخرى لليهود والمسيحيين. والحال أن هذه الشارات كانت سائدة وبشكل علني في المجتمع الفرنسي منذ صدور قانون عام 1905 الذي فصل الدين عن الدولة. دون أن يثير حفيظة أو ريبة أحد، ولم تعتبر طوال المائة عام المنصرمة، تعديا أو تهديدا للعلمانية الفرنسية، ولم تكن موضوعا للخلاف والجدل بين القوى السياسية المختلفة، ولا استنفرت أجهزة الدولة، ولا سنت التشريعات والقوانين للحد منها. والحال أن هذا التعايش بين هذه الشارات والدولة، كان تعايشا طبيعيا وامتدادا رمزيا للأصول الثقافية للدولة، بيد أنه لم يكن في أصله دليلا -كما يعتقد البعض- على إعلاء العلمانية الفرنسية لقيمتي الاختلاف والحرية الشخصية، وإنما ظاهرة تحتضن ضمنيا، قدرا من التحيز للثقافة اليهودية - المسيحية. باعتبار أن أوروبا بما فيها فرنسا، هي في حقيقة الأمر، سليلة هذه الثقافة. وتكتسب الأخيرة أهميتها في الوعي الجمعي الغربي، من كونها المحدد الأساسي لهوية الغرب وخصوصيته الحضارية وتمايزه الثقافي لا سيما أنه ليس ثمة من يدعي أن العلمانية وفي أكثر صيغها نقاء ومثالية، تعتبر وعاء ثقافيا يعبر عن هوية أمة وانتسابها الحضاري. ولعل ذلك ما يفسر هذا الموقف الفرنسي الرسمي وغير الرسمي المتشدد إزاء الحجاب. فالأخير بما يتضمنه من حمولة رمزية لثقافة وحضارة مغايرة ومناضلة في الوقت ذاته، لا يمثل -كما يدعي بعض الفرنسيين- تهديدا للعلمانية الفرنسية، وإنما تهديدا لـ"ثقافتها"أو بالأحرى لـ"هويتها"، أي أن ظاهرة الحجاب، وضعت الدولة أمام خيارين: إما الانحياز لـ"العلمانية"والتخلي عن"الهوية"وإما العكس. فانحيازها للأولى يفرض عليها أن تتحلى بالحيدة التي أقرها قانون 1905، ولا تهتم لا بالسفور ولا بالحجاب، سواء في المؤسسات التعليمية أو في غيرها. غير أن قانون الحظر -وإن اتشح بمبررات تظهر عكس ما تبطن- كان إعلانا عن انحياز الجمهورية الفرنسية لهويتها، وليس لعلمانيتها كما تذهب حججهم في هذا الإطار.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه ليس ثمة صدقية للادعاءات التي تقول: إن القانون جاء استجابة لرغبة الدولة، في حماية الفتيات من أي شكل من أشكال الإكراه الذي يمكن أن تمارسه الأسرة أو ما يسمى بالتنظيمات الإسلامية المتشددة، إذ إن تصرف الدولة ذاتها يتناقض مع هذا الادعاء، ويأتي في هذا السياق نموذج الطالبتين (ليلى 18 سنة، وألما 16) ، حيث قررت إدارة المدرسة فصلهما لارتدائهما الحجاب، رغم أنهما ينحدران من عائلة يهودية مشهورة في فرنسا وأوروبا عموما وهي عائلة"ليفي"، والدهما"لوران ليفي"محامٍ يهودي معروف في فرنسا بمواقفه اليسارية، وأمهما جزائرية مسيحية غير متدينة، أي أن الحجاب في هذه الحالة كان ممارسة مبرأة من أي شبهة إكراه. وتكتسب حالة"ليلى وألما"أهميتها من أنها كانت حالة غير ملتبسة، وغير قابلة لتعدد القراءات والتأويلات، وأضاءت حقيقة أن موقف المدرسة من الحجاب -ممثلة للدولة- كان موقفا"ثقافيا"لا"علمانيا".
أزمة الحجاب في فرنسا -إذن- كشفت عن أن العلمانية الفرنسية، لا تمارس حضورها كوعاء حاضن للاختلاف والتعدد -أي لا تمارس علمانيتها- إلا من خلال الأطر الثقافية والاجتماعية المهمشة، أو تلك المفرغة من أية مضمون أو بنية"عقائدية - نضالية"، والتي لا تمثل تهديدا لـ"هويتها الثقافية"وليس لـ"علمانيتها السياسية"، مثل الجماعات الداعية إلى"عبادة الشيطان"أو"البوذية"أو"الزواج المثلي"أو الحرية الجنسية، وذلك على سبيل المثال لا الحصر.
ومن هنا فإن فرنسا لم تفشل في محاولتها دمج المسلمين في المجتمع الفرنسي، وإنما تعمدت تهميشهم، وحصارهم داخل المناطق والجماعات المهمشة، وحشرهم داخل الأطر المشابهة، غير المؤهلة بطبيعتها للتمدد والتأثير الثقافي، هنا وهنا فقط تظل العلمانية الفرنسية محتفظة بوظيفتها كمظلة يستظل بها التعدد والاختلاف. وهذا شرط أساسي من الشروط التي تستقي منه العلمانية الفرنسية حيويتها؛ ولذا فإن فكرة دمج المسلمين في المجتمع الفرنسي، ربما تكون"واقعا"، ولكن عندما يستسلم المسلمون لثقافة فرنسا وهويتها المسيحية، وليس الانصياع كما يُدعَى لمبادئ العلمانية، فليس ثمة مشكلة في الأخيرة، فهي في روحها وقوانينها تقبل هذا الاندماج، متى تحررت من القيود الحضارية (أو الثقافية) ، وكذلك من أعباء الحفاظ على الجذور المسيحية للهوية الفرنسية.
مسخ الهوية الإسلامية الهدف المنتهى لأعداء الأمة
د. سامي سعيد حبيب
من مزايا شهر رمضان المبارك أعاده الله على الأمة بالخير والبركات والعزة والمنعة أنه معلم من معالم هوية هذه الأمة الربانية، ففيه أنزل القرآن إيذانًا بربط البشرية بخالقها من جديد بعد أن اجتالتها الشياطين عن الحنيفية السمحة، وفيه يتجلى البعد الروحي للعبادات في الإسلام كما لا يكون في سواه .
فبجانب الصيام الذي هو عبادة داخلية لا يعلم صدقها إلا الله ولا يجزي بها إلا الله وحده هدفها الأسمى تحقيق تقوى الله في النفوس تغص المساجد بالمصلين في رمضان، يؤدون الفرائض ، ويقومون الليل تطوعًا ، ويحافظ المسلمون على أورادهم القرآنية اليومية بشكل منتظم ، وتكثر الزكوات والتراحم بين المسلمين حتى لقد سماه سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه بشهر الزكاة.