أنا عائد منذ أيام قليلة من باريس وميلانو، أي من الاتحاد الأوروبي، قضيت إجازة نصف السنة الجامعية بين تلك العاصمة الفرنسية التي أسكن ضواحيها، وبين تلك المدينة الإيطالية التاريخية والصناعية التي تزخر هذه الأيام كعادتها بالمعارض الدولية المختلفة، وأثناء انتقالي بين فرنسا وإيطاليا لم أجد حدودًا ولا جمارك ولا أية إشارة تذكر بأننا تخطينا حدود دولة ومررنا إلى دولة، فلا جوازات ولا تعطيل ولا إجراءات.. كل شيء كان يقول لك: تفضل واعبر بحرية فأنت في الاتحاد الأوروبي! وأكثر من هذا، فقد استعملنا نفس العملة: اليورو، دون اللجوء لتحويل العملة، كما خضعنا بالطبع لنفس القوانين ونفس المقاييس ونفس الروح الأوروبية التي ارتفعت على الوطنيات الضيقة والقوميات القديمة! إنه الاتحاد الأوروبي في أروع تجلياته وأجمل تجسيداته: بناء قوي راسخ شامخ يرفع اليوم وبعد خمسين عامًا من الجهد الوحدوي الرصين الحكيم راية واحدة زرقاء تحمل النجوم الخمس عشرة، وغدا تحمل النجوم الخمس والعشرين، كل دولة بنجمة.
ولا فائدة من إثارة الجرح العربي وأحلام الوحدة الناصرية والقذافية والبعثية التي أجهضتها الأيام، لأنها كانت قائمة على الأيديولوجيات الفوقية الهشة والهيمنات الحالمة العابرة وغياب الشورى، تلك الشورى التي صنعت الاتحاد الأوروبي وأهلته للقوة والريادة.
هذه الأفكار جالت بخاطري حين فتحت آخر كتاب فرنسي وصلني وهو بعنوان: «البحث عن رجال عظام يشكلون الهوية الأوروبية» لكاتبين جون نويل جانيني وفيليب جوتار، صادر عن دار بيران للنشر أواخر عام 2003، وهذا الكتاب طريف ومهم وذو أبعاد حضارية، لأنه ينطلق من أشغال مؤتمر نظمته ثلاث منظمات مدنية أهلية أوروبية هي: منظمة الشركاء الأوروبيين ومؤسسة جون جوريس وجمعية فريدريش ايبر تستيفتنغ، بالاشتراك مع منظمة اليونسكو في باريس خلال عام 2003، وهو المؤتمر الرابع من نوعه يخصص للبحث عن مقومات الهوية الأوروبية وخصائصها المميزة. وأنا لم اهتم بأعمال هذا المؤتمر، إلا لأنه يهمنا نحن العرب بالدرجة الأولى، نحن الذين نبحث عن الوحدة المفقودة رغم أن كل شيء يجمعنا: التاريخ واللغة والرجال الذين صنعوا أمجادنا والفتوحات التي انجزناها والحروب التي خضناها والثقافة التي صدرناها للعالم والآثار التي أورثناها للأجيال.. كل ما بين العرب من شأنه أن يوحدهم ويجمع كلمتهم ويحقق طموحهم وينصرهم على أعدائهم.
نعود إلى الكتاب الباحث عن أمجاد مشتركة للأوروبيين، فيقدم لنا المؤلفان قائمة من الأسماء لرجال مشاهير في تاريخ السياسة والأدب والفنون والحروب، يشعر المواطنون الأوروبيون انهم يمثلون العبقرية الأوروبية ويرتفعون بقاماتهم الشامخة على الوطنيات الضيقة ليكونوا منارات تهدي الأجيال الأوروبية الراهنة والقادمة، فقد اتفق المواطنون الذين تم استطلاع رأيهم في ست دول أوروبية على أن المهندس الرسام الشهير ليوناردو دافينشي صاحب أشهر لوحة في العالم: «الموناليزا أو الجوكندا» هو أفضل من يمثل العبقرية الأوروبية المشتركة، إلى جانب نابليون وونستون تشرشل وشارل ديجول وبيكاسو وشارلي شابلن وكارل ماركس وفكتور هيجو والملكة فكتوريا والبابا يوحنا بولس الثاني، إلى آخر هذه القائمة من المشاهير وأصحاب الفضل على تشكل الروح الأوروبية المشتركة أي الهوية الموحدة للاتحاد الأوروبي.
لعل القارىء العربي الذي يشرفني بقراءة هذا المقال يفهم كما فهمت أنا بأن الغاية المرجوة من هذه المؤتمرات والكتب الباحثة عن الهوية الأوروبية هي تعميق الشعور الشعبي الباطني في كل دول الاتحاد الأوروبي، بأنها تنتمي إلى جذور واحدة، وأن لديها رصيدًا مشتركًا من الأسس الحضارية، التي تتيح لها الانطلاق إلى المستقبل والإرادة الموحدة بعزم وإصرار. ويدرك المؤلفان أن مهمتهما صعبة وشائكة، وأن الدول العشر التي ستنضم للاتحاد الأوروبي في أول مايو القادم ليست بالضرورة واعية بالانتماء إلى هذه الروح مثل دول ليتوانيا ومالطا وقبرص والمجر.
وهنا لا يسعني إلا أن اختم بالمقارنة التي تفرض نفسها بين الأوروبيين والعرب، فالأوروبيون يؤسسون لأمجاد وهوية من الفراغ وأحيانًا من العدم، بينما نحن ننهال بالمعاول على أمجادنا الحقيقية تحطيمًا وتدميرًا، سامحنا الله وهدانا إلى صراطه المستقيم.
استهداف كبير لهوية الأقليات الإسلامية في الغرب
عبد الحي شاهين
كيف يمكن نشر الدين الإسلامي بالغرب من خلال 30 مليون مسلم هناك ؟
لقد تحققت عالمية الإسلام بانتشاره في كل رقعة من الأرض حتى إنه لا يوجد بلدٌ واحدٌ في العالم إلا وفيه عدد ولو قليل من المسلمين، ونتيجة لهذا الانتشار الواسع للإسلام نشأت الجاليات والأقليات الإسلامية في مناطق كثيرة بل وقامت مجتمعات ذات أغلبية إسلامية في مناطق أخرى بعيدة عن مهد الإسلام، وأصبحت الأقليات الإسلامية قوة لا يستهان بها في سبيل نشر الإسلام والدعوة إليه ولا سيما أن أكثر من 40% من المسلمين اليوم يعيشون كأقليات في عالم اليوم.
على مدى تاريخها الطويل واجهت الأقليات الإسلامية في العالم تحديات خطيرة من قبل أعداء الإسلام قد استهدفت استئصال هويتها وتذويبها في المجتمعات التي تعيش فيها وارتبطت هذه التحديات هبوطًا وصعودًا بقوة وضعف الدولة الإسلامية وخلال ضعف المد الإسلامي وانحساره تعرضت الأقليات الإسلامية لألوان شتى من القمع والاضطهاد وصلت في بعض الأحيان إلى حد الإبادة الجماعية الشاملة أو التضييق الشديد في العيش حتى في أعتى الدول الغربية التي تتغنى بالديمقراطية!! ورغم فداحة ما تعرضت له الأقليات الإسلامية في جميع أنحاء العالم فقد حافظت على شخصيتها الإسلامية وتمسكها بالدين ولعل أروع مثال يجسد ذلك تلك الملايين المسلمة التي خرجت من تحت أنقاض الاتحاد السوفيتي السابقة تهتف بشاهدة التوحيد بعد سبعين عامًا من الحكم الشيوعي الذي كمم الأفواه وأخرس الألسن حتى ظن الناس أنه لا بقاء للإسلام في تلك الديار!!
وقد شهدت السنوات الأخيرة من القرن العشرين انقلابات وتغيرات هائلة في المنظومة السياسية الدولية تمثلت في انهيار الاتحاد السوفيتي والذي وضع نهاية للتمحور التقليدي بين أيديولوجيتين رئيسيتين وما أعقبه من انفراد القطب الأمريكي بالسيطرة على مقدرات العالم المعاصر وظهور ما يعرف بالنظام العالمي الجديد والذي راح يعيد ترتيب العالم وفقًا لأهواء ومصالح القوى الجديدة.
وبدأ الحديث في الغرب صراحة عن أهم محاور الصراع الدولي في القرن القادم وهو محور الحضارة الإسلامية في مواجهة الحضارة الغربية وكانت أول ملامح هذا الصراع تلك الحروب الإبادية الشرسة التي شنت ضد المسلمين في منطقة البلقان لاستئصال شأفة الإسلام من أوروبا برعاية ومباركة القوى العظمى وكأول منجزات النظام العالمي الجديد!!