وهكذا برزت قضية الأقليات الإسلامية في المجتمعات الغربية على السطح من جديد فهي الجبهة الأولى التي أصابتها حمى العداء للإسلام ويعيش في المجتمعات الغربية نحو 30 مليونًا من المسلمين منهم 14 مليونًا في أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية ويمكن لهذه الأعداد من المسلمين أن يكونوا طاقة هائلة في الغرب إذا ما أحسن تنظيم جهودهم واستغلالهم فلعل أهم ما يميز النظم السياسية الغربية هو حق الفرد في الحرية والتعبير، والمسلمون هناك لهم مثل هذا الحق في التعبير عن آرائهم السياسية والدينية وممارستهم العبادة وحرية التجمع أسوة بغيرهم من الأقليات إلا أنهم لم يحسنوا الاستفادة من تلك الحريات لتسخيرها بشكل فعال ومنظم لخدمة قضاياهم الأساسية تارة بسبب ضعفهم الذاتي وتحديات القوى المعادية لهم وتارة بسبب تقاعس الدول والمنظمات الإسلامية عن مساعدتهم ومد يد العون لهم، ومن هنا فإن الأمر يحتاج إلى عملية استنفار إسلامي لمعاونة الأقليات الإسلامية في المجتمع الغربي لتأكيد هويتها والدفاع عن دينها ومن ثم استثمارها لتكون جسورًا يعبر عليها الإسلام إلى الغرب.
لقد أولت العديد من الدول والمنظمات الإسلامية في الآونة الأخيرة اهتمامًا محمودًا بوضع الأقليات الإسلامية في العالم وعقد الكثير من المؤتمرات واللقاءات التي اقترحت حلولًا لمشاكلها وأساليب المواجهة للتحديات التي اقترحت حلولًا لمشاكلها وأساليب المواجهة للتحديات التي تعترضها إلا أن هذا الاهتمام وتلك الجهود ظلت دون مستوى التحدي الذي تواجهه الأقليات الإسلامية والذي تحتاجه الأمة الإسلامية في صراعها الحضاري مع الغرب في محاولة لاستعراض واقع الأقليات.
لاشك أن الأقليات الإسلامية في مختلف أنحاء العالم تواجه مشكلات سياسية واقتصادية وثقافية متعددة تحاول القضاء على هويتها وتسعى إلى تمزيقها والنيل من ثبات عقيدتها، ولعل ما تشهده تلك الأقليات في مناطق كثيرة من العالم يفوق بكثير ما تواجهه الأقليات الإسلامية في المجتمعات الغربية والتي تعد بكل المقاييس أحسن حالًا من مثيلاتها في المجتمعات الأخرى ولا سيما جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق وأفريقيا، والواقع أن ثمة العديد من الأسباب هي التي دفعت للبدء بالحديث عن استراتيجية إعلامية لمخاطبة الأقليات الإسلامية في المجتمعات الغربية وما تشهده من حريات وثورة إعلامية وتكنولوجيا هائلة ويأتي في مقدمة هذه الأسباب أن مستقبل الإسلام في الغرب يؤثر وبشكل كبير على مستقبل الأمة الإسلامية فالإسلام أصبح ثاني أوسع الأديان انتشارًا في العديد من الدول الأوروبية ففي بريطانيا وحدهها يعيش نحو مليوني مسلم ثلثهم من الأطفال والناشئة وخمسهم من الشباب إن الأقليات الإسلامية في المجتمعات الغربية تقيم على ثغر من ثغور الدفاع عن الإسلام في المجتمعات الغربية، فهم الهدف الأول للهجمة الشرسة ضد الإسلام والحلقة الأولى التي يسعى الغرب لكسرها.. وإن النظم الاجتماعية والسياسية في أوروبا الغربية وأمريكا تتيح فرصًا سهلة وعظيمة للدعوة الإسلامية فالحريات هناك لا حدود لها والمجتمعات الغربية رغم عدائها للإسلام فإنها تكفل حرية الفكر والعبادة أما صراعها مع الإسلام فيتبع لذلك أساليب أخرى، ولقد بدأت الكثير من الدول الغربية تعترف بالأقليات الإسلامية فيها وتقنن حقوقها الدينية والسياسية. إن طبيعة التركيب السكاني والتكوين العلمي والثقافي لأبناء الأقليات يدعنا نقول إنهم طاقة هائلة لدفع العمل الإسلامي لو أحسن استغلالها وتوجيهها وفي ذلك يقول الشيخ محمد الغزالي ـ - رحمه الله - ـ «كان من المستطاع أن تكون الأقليات المسلمة في أوروبا وأمريكا واستراليا جسرًا يعبر عليها الإسلام لو أن المسلمين يفقهون دينهم ويصنعون من أنفسهم ومسالكهم صورًا جميلة له» وللأقليات الإسلامية في أوروبا وأمريكا تاريخ مليء بالأحداث والمواقف.
التقويم.. هوية الأمم وذاكرتها
محمد القاسم
لكل أمة من أمم الأرض تقويمها الخاص بها، تعتز به وينتسب إليها، وبه تؤرخ أحداثها وأيامها، وتحدد أعيادها ومناسكها، فهو يمثل تاريخها ودينها وحضارتها، وحافظ ذاكرتها وصندوق ذكرياتها وسجل أحداثها ورمز حضارتها ومرآة ثقافتها وإبداعها..
ومن هنا حرصت كل أمة من الأمم على أن يكون لها تقويمها الخاص الذي ينطبع بطابعها، ويتشرب نكهة عقائدها وروح حضارتها.. وكان يستحيل على أمة أو أصحاب عقيدة أن يؤرخوا بتقويم أمة أو ديانة أخرى.
وكان رجال الدين وسدنة العقائد من كل أمة هم القائمين على التقويم وحساباته وتحديد مواقيت أعياده ومناسباته وبداياته شهوره وأطوالها وبيان طبيعة السنين وأحوالها من حيث البسط والكبس وغيرهما؛ ولذلك وجدنا رهبان الرومان قائمين على تقويمهم، وسدنة نار المجوس مسئولين عن تقويمهم، وكبار حاخامات السنهدرين من اليهود يختصون بتقويمهم، والبابا غريغوري الثالث عشر على رأس لجنة تصحيح تقويم النصارى، وثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يعزف عن تقاويم الأمم المجاورة، ويؤسس لأمة الإسلام تقويمها الخاص بها، مستبعدًا العمل بجميع التقاويم الوثنية المعروفة في عصره، متمسكًا بالعمل بالتقويم القمري (الهجري) الذي حافظ على نقائه عبر الدهور وعصور الجاهلية، فلم يتلوث كما هو حال التقاويم الأخرى التي خلعت أسماء آلهتها الوثنية على أسماء شهورها وأيامها.
والسر في نقاء التقويم الهجري القمري أنه تقويم رباني سماوي كوني قديم قدم البشرية، ليس من ابتداع أحد من الفلكيين، وليس للفلكيين من سلطان على أسماء الشهور العربية القمرية ولا على عددها أو تسلسلها أو أطوالها، ولا على طبيعة سنتها من حيث البسط والكبس، ولا على عدد السنوات الكبيسة أو البسيطة في الدورة القمرية.. فكل ذلك يتم بحركة كونية ربانية، وتم تحديد عدد الشهور في كتاب الله:"إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق الله السموات والأرض منها أربعة حرم...".
ووردت أسماء بعض الشهور والأيام في كتاب الله، مثل: رمضان والجمعة والسبت ووردت في السنة النبوية بقية الأسماء التي تداولتها الأمة على مر القرون.
وظلت الأمة تستخدم التقويم الهجري إلى أن جاءت الموجة الاستعمارية في العصر الحديث وما تبعها من تغريب وفقدان للهوية وسقوط للخلافة الإسلامية على يد مصطفى كمال أتاتورك الذي ما لبث أن أصدر قرارًا بإلغاء التاريخ الهجري واستبدال التاريخ الميلادي به سنة (1344 هـ = 1926م) .. وحل التقويم الميلادي الغريغوري محل التقويم الهجري تنفيذًا لمخطط دام قرونًا طويلة.
المعلمة ودورها في تذويب الهوية
حاملة القرآن