لابد أن نعي نحن المسلمين هذه الأحداث وأن نؤمن بأن قيام الكيان الصهيوني في قلب العالم الإسلامي وسيطرته على القدس قبلة المسلمين ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من نفس العمل الذي يحاول أن يفرض ما يعارض الفطرة ويخالف حقائق الدين والعلم جميعًا فلابد من سقوطه . ولقد أقامت من قبل القوى الصليبية كيانًا زائفًا في نفس الموقع لم يزل يقاومه المسلمون ويجتمعون له ويجاهدون في سبيل تدميره ويقدمون الأرواح رخيصة في سبيل إعلاء كلمة الله تبارك وتعالى .
المسلمون اليوم في امتحان جديد هو أقسى من امتحان الحروب الصليبية؛ ولكن الصحوة الإسلامية التي أثبتت اليوم رسوخ أقدامها وعجز الأعداء عن إزالتها قادرة على الثبات في الموقع وحماية الثغور وإعداد قوى الردع الكفيلة برد العدوان واستخلاص الحق واستعادة بيت المقدس. ولن يكون ذلك إلا من خلال وحدة الإيمان والارتفاع فوق المطامع والأهواء والتحرر من الترف والانحلال .
وليعلم المسلمون أن سقوط هذه الايدلوجيات كلها هو لحساب الإسلام وأن الغرب لن يستطيع أن يسيطر على العالم ويقوده نحو الخضوع والتبعية بعد أن أثبتت مناهجه وايدلوجياته عجزها وفسادها وأعلن كبار العلماء والمفكرين الغربيين أنّه لا أمل إلا في الإسلام فهو وحده القادر على إنقاذ البشرية.
ولكن أصحاب المطامع من عباد العجل الذهبي وإمبراطورية الربا لايزالون يخططون من أجل السيطرة على الأمة الإسلامية وثرواتها ومقدراتها التي استنزفت منذ أكثر من قرنين من الزمان لحساب القوي العالمية في نفس الوقت الذي عاش أهل الوطو يواجهون المجاعات ، والنهب ، والاحتواء ، في محاولة لإخضاع المسلمين والعرب ، وضرب بعضهم ببعض ، ولقد استفاق العرب والمسلمون اليوم وعرفوا أنهم قادرون على التعامل السمح الكريم بين طوائفهم كما أمرهم القرآن وكما رسم لهم النبي صلى الله عليه وسلم وكما وضع عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص وغيرهم ميثاق الترابط بين العناصر المختلفة في قلب المجتمع الإسلامي العربي .
ومن هنا فنحن في أشد الحاجة إلى الدخول في مرحلة تحرير الهوية وتصحيح الوجهة. وذلك بإقامة معاملاتنا سواء في مجال التجارة أو الزراعة أو الاقتصاد على أساس تحري الحلال وتجاوز الحرام .
وإن علينا أن نحرر مناهجنا التعليمية من الزيوف التي فرضتها الحضارة الغربية من أجل هدم وحدتنا العامة ، وتحرير مناهجنا الاجتماعية والترفيهية من عوامل تدمير وحدة المجتمع وتكامله ولنحذر من أخطار التداخل الذي يرمي إلى تفريغ هذه الصحوة من مضمونها أو احتوائها أو تدميرها أو إجهاضها
الهوية الضائعة
أميمة بنت أحمد الجلاهمة - موقع الإسلام اليوم
إن الدراسة والتخطيط والمتابعة السليمة القائمة على أسس أصيلة صحيحة، من سمات نجاح أي مشروع؛ فبغض النظر عن طبيعة المشاريع التي تُطرح للمناقشة على طاولة المفاوضات، لن يتمكن واضعوها والقائمون عليها من تحقيق أهدافهم باعتمادهم الارتجال كمبدأ عام؛ فتحديد الهدف ابتداءً، ثم التنظيم والمثابرة، وعدم التطلّع لنتائج فوريّة حاسمة، من السمات الأساسيّة لتحقيق الغاية المنشودة في أي منها.
إن ما نحتاجه كشعوب إسلاميّة وعربيّة هو الاعتراف بأن نظرتنا الفاحصة في قضايانا الإستراتيجيّة والمبنيّة على حقائق واقعيّة، وأرقام إحصائيّة معتمدة، من أهم ما نفتقده في هذا المجال، مقارنة بطبيعة الحال ببعض الدول، فمشاريعنا على الأغلب تكاد تُبنى على ما يشبه الارتجال، أو على دراسات مستوردة سطحيّة غير معمّقة، وآنية الأبعاد، وبالتالي نحصد نتائج مخيّبة للآمال والتطلّعات؛ فالتخطيط المتعلق بمستقبل التعليم والصحة والأمن والوضع الاجتماعي والاقتصادي يبقى قاصرًا لا يلامس طموحات شعوبنا، وتطلّعاتهم.
ولكن الأخطر من ذلك كله، ما نراه في دراسات وعمل دؤوب، تهدف لإلغاء الهُوِيّة الذاتيّة لدى المسلمين، كديانة وتاريخ وأرض، فقد توالت مؤخرًا قرارات سلطويّة صادرة عن ولاة الأمر في بعض البلاد الإسلاميّة بهدف إلغاء وتقليص العلوم الإنسانيّة، التي من شأنها ربط المتلقي بدينه أولًا ثم ببلاده لغة وتاريخًا وجغرافية ثانيًا، علوم تلامس كيان الإنسان ووجوده واعتزازه بنفسه!!
وأنا هنا لن أناقش أصحاب هذه القرارات في مضامينها، أو في أضرارها على مجتمعاتهم، فهذا شأن يتكفل به علماء أفاضل ننتظر منهم التحرك بفاعلية في هذا المنحى بإذن الله، ولكنّي استأذن المقرّرين في عرض دراسة حديثة، جعلت جلّ اهتمامها ينصبّ على تحصين الهويّة الدينيّة لأبنائها من الضياع والذوبان!!
وإليكم قصة هذه الدراسة، كتب (ناثان غوتمان) في صحيفة (هآرتس) عن اجتماع تمّ في الأيام الماضية في (مزرعة واي) قرب واشنطن، نظمه معهد تابع لـ (الوكالة اليهودية) .. هدف هذا الاجتماع ينحصر في البحث عن الحلول لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الهويّة اليهوديّة المهدّدة بالانقراض عام 2025م، ولقد اجتمع لهذه الغاية رجال الدين والاجتماع والسياسة والمال، أذكر منهم: المحامي (ألان درشوفيتس) ، (ستيوارت آيزنشتات) نائب وزير المالية الأمريكي سابقًا، (ناتان شارانسكي) ، الحاخام (شموئيل سيرات) -الحاخام الأكبر لفرنسا سابقًا -، و (مايكل ستنهارت) ، وهو من أكبر المتبرعين اليهود في الولايات المتحدة الأمريكية، (ودينس روس) ، والبروفيسور (يحزقيل درور) ، و (وجاك أتالي) ، والحاخام (يوفال شارلو) ، والبروفيسور (يهودا راينهارتس) الذي يرأس جامعة براندايس.. وغيرهم ممن طلب إبقاء مشاركته في هذا الاجتماع طيّ الكتمان!!
وقد تحدث رئيس الاجتماع (آفي غيل) عن أهداف هذا الاجتماع فقال:"هدفنا هو فهم ما ينبغي فعله اليوم من أجل أن يكون الشعب اليهودي في المستقبل في حالة أفضل". أما عن الكيفية التي يتحقق من خلالها مستقبل أفضل لليهود؛ فقد وضحها البروفيسور (راينهارتس) ؛ إذ قال:"إنه كمعظم المشاركين الآخرين، يعتقد أن هناك خشية حقيقيّة من خسارة الهويّة اليهوديّة، وتدنّي حجم الشعب اليهودي بشكل يجعل من المتعذر عليه مواصلة الوجود كشعب"!
لقد توافق معظم المشاركين في هذا الاجتماع في أن الخطر الأكبر الذي يتهدّد الشعب اليهودي في العقود القريبة هو ضعف الهويّة اليهوديّة؛ ففي الواقع المعاصر تتنافس الهويّة اليهوديّة في سوق كبير من الأفكار والأيديولوجيّات المفتوحة أمام كل إنسان، والصعوبة التي تواجه ربط أبناء الشعب اليهودي - خصوصًا الشبان - بالهُويّة اليهوديّة تقود مع مرور الوقت إلى ابتعاد هؤلاء عن حياة الجماعة اليهوديّة، وابتعادهم عن دولة إسرائيل..) كما أكّد:"أن أزمة الهويّة اليهوديّة قائمة ليس فقط في صفوف يهود الشتات، فالوثيقة التي أعدها المعهد تشير إلى أن هناك خشية حتى من داخل إسرائيل من ضعف جوهري في الهويّة اليهوديّة"!!
وبعد مداولات مطوّلة لدراسات ومناقشات وتوصيات تم عرضها أمام الأعضاء، انتهى الاجتماع بإصدار بيان ختامي، جاء فيه:"إن الشعب اليهودي مصاب بافتقاره لقيادة روحيّة مؤهلة لبلورة فحوى روحيّة جديدة للهويّة اليهوديّة، توفّر إلهامًا، وجوهرًا وتكون ذات صلة"!! كما أثنى المشاركون في هذا الاجتماع على الطائفة الأصوليّة الأرثوذكسيّة التي حافظت على الهويّة اليهوديّة بشكل تام، فالتعليم يهوديّ 100 %، وزواج المختلط صفر في المئة، ونسبة التكاثر عالية، مؤكدين أن الطائفة اليهوديّة في حالة طوارئ، وتحتاج إلى تمويل كبير وفي كل الميادين، كما تحتاج إلى وقوف المؤسسة التنظيميّة والدينيّة إلى جانبها.