ونظرا لأن للهوية علاقة أساسية بمعتقدات الفرد ومسلّماته الفكرية، فإنها هي الموجه لاختياره عند تعدد البدائل، وهي التي تجعل سلوكه ذا معنى وغاية، كما أنها تؤثر تأثيرا بليغا في تحديد سمات شخصيته وإضفاء صفة الثبات والاستمرار على هذه الشخصية، فلا يكون إمّعة ولا منافقا، ولا ذا وجهين.
وبالنسبة للمجتمع فإن الهوية هي التي تربط بين أفراده والتي إذا فقدت تشتت المجتمع وتنازعته التناقضات.
هذا، وإن أهم مقومات وأركان الهوية هي العقيدة وهويتنا الإسلامية تنبثق عن عقيدة صحيحة وأصول ثابتة تجمع تحت لوائها جميع المنتمين إليها فيحيون لهدف واحد هو إعلاء كلمة الله، وتعبيد العباد لربهم وتحريرهم من عبودية غيره.
وفي القرآن مدح وتعظيم لهذه الهوية، قال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ {فصلت: 33} .
ولقد رسم القرآن مفهوم الهوية عند المسلمين، فجعل العقيدة هي معيار الولاء والبراء والحب والبغض، وهي المنظار الذي يرى المؤمن من خلاله القيم والأفكار والمبادئ ويحكم على الأشخاص وينزلهم منازلهم.وما أحسن ما قاله صاحب"الظلال"رحمه الله تعالى: عقيدة المؤمن هي وطنه، وهي قومه،وهي أهله.. ومن ثم يتجمع البشر عليها وحدها، لا على أمثال ما تتجمع عليه البهائم من كلأ ومرعى وقطيع وسياج.
والمؤمن ذو نسب عريق، ضارب في شعاب الزمان، إنه واحد من ذلك الموكب الكريم الذي يقود خطا ذلك الرهط الكريم نوح، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام. وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ.
ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرعى احتفاظ هذه الأمة بهويتها وخصائصها ويحذرمن التشبه بالمشركين فقال:"من تشبه بقوم فهو منهم"وذلك لتبقى أمة المسلمين نسيجا وحدها، حتى إن اليهود قالوا:"ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه". رواه مسلم.
ومن بعد النبي صلى الله عليه وسلم قام سلفنا الصالح فمن بعدهم بجهود رائعة في الحفاظ على هوية الأمة وحراستها، فكانوا فرسانا في الدفاع عنها: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ. ومن هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ومن أراد أن يفهم قضية الهوية حق الفهم فليدرس كتابه الفذ"اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم"ومنهم أديب الإسلام مصطفى صادق الرافعي، والدكتور محمد محمد حسين، والعلامة الأديب محمود محمد شاكر، وغيرهم، كثير في الأمة، هذا، ونحيلك على كتاب"هويتنا أو الهاوية"للشيخ محمد إسماعيل، ففيه تفصيلات كثيرة في موضوع الهوية، وكذلك فإن له محاضرة بعنوان"الهوية الإسلامية"تجدينها في موقع طريق الإسلام.
والله أعلم.
المفتي: ... مركز الفتوى
مفهوم الهوية.. بين الثبات والتحول!
هاني نسيره
جدل الهوية
أتى سؤال الهوية في الوعي العربي الحديث متأخرا عن سؤال النهضة الذي بدأ مع الحملة الفرنسية ولم يرحل معها حين رحلت؛ فقد سيطر على الجميع سؤالها وتوترها الوجودي، وإن صيغ بصيغة البحث عن العلة والسبب (لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا؟) ، فإنه كان تعبيرا عن سؤال الكينونة وتحققها في مسار التاريخ الذي تخلفنا عن ركبه، أي كان سؤال النهضة -بشكل من الأشكال- سؤالا كامنا حول الهوية.
ولم يكن وضوح سؤال الهوية وبروزه على سطح الجدل والوعي العربي الإسلامي، إلا مع حمأة جدل النهضة والتخلف ذاته، ومع تفجر الحديث عن المرجعية التشريعية والقيمية منذ حكم الخديوي إسماعيل في مصر، وإقرار نظام الملة العثماني سنة 1875، وتواتر الحديث عن الرابطة والجامعة السياسية منذ أخريات القرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين، هل هي رابطة وطنية أم شرقية أم إسلامية... إلخ.
الهوية محملة بالأسئلة
وقد أتى سؤال الهوية"بمدلولاته المختلفة"محمولا على ثلاثة أمور بشكل رئيس:
1-طرح الحداثة الغربية كنموذج يجب تمثله والتزامه، خاصة بعد أن صار تفوق الحضارة الغربية والاستعمار واقعا لا يمكن إنكاره، ما نشط مفهوم الهوية واستعماله كتعبير عن الخصوصية. كما نشط كتعبير عن الانتماء وتجل للحديث عن المواطنة مع قانون الملة سواء في ترويج الاستعمار للأقلية ودعوى حمايتها وهو ما وجد تجاوبا من بعض هوامش الأقليات مثل الجنرال يعقوب مع الحملة الفرنسية أو الدكتور أخنوخ فارس، أو نشاط الإرساليات التبشيرية أو حديثه عن عوائق التقدم الثقافية"اللغة الفصحى - الشريعة وحرية الرأي والتعبير - الأتراك والخلافة العثمانية..."وغير ذلك.
2-ما جد من أسئلة وجدل حول دوائر الانتماء الثقافية والجغرافية المختلفة، التي ضاقت من الدائرة الإسلامية إلى الدائرة المصرية والوطنية في أوائل القرن العشرين إلى المتوسطية في عشرينيات وثلاثينيات القرن إلى الشرقية والعربية في نفس هذا التاريخ وبعده، وما زاد الهوية وسؤالها حضورا هو عدم حسم أي من هذه الدوائر -والتيارات التي تحملها- الإجابة لصالحها؛ فقد استمر الجميع بجوار الجميع ولا يزالون.
3-صعود ما يسمى بعصر القومية دوليا وعربيا، وتصورات الأمة -الدولة كطريق للوحدة- State-Nation خاصة التصور اللغوي والثقافي لها الذي كان حلا لمسألة التنوع الديني بالخصوص وإن فجر التنوع العرقي بشكل آخر (1) .
ولكن كان للصعود القومي الذي استمر عقودا، ونجح في الوصول لسدة الحكم في عدد من البلاد العربية منذ الخمسينيات، وما حملته معها من خطاب قومي يعادي الاستعمار وسياساته، كما يتخذ موقفا مضادا لتصورات النهضة والمرجعية الإسلامية والوطنية، في الآن نفسه، وكذلك للتنظيمات + الأقلوية ومطالبها الاستقلالية؛ ففي ظل الصب الوحدوي على المستوى الداخلي وفي وجه الآخرين تفجرت التمايزات والتنوعات الداخلية + الإثنية والدينية والفكرية كل يسائل كينونته ويطرح تصوراته المنطلقة منها لنهضة الوطن أو الدولة.
أولا: مفهوم الهوية بين الثبات والتحول
لا يخرج مفهوم الهوية"Identity"في مدلولاته الحديثة عن التشخص والشخصية وهو ما قال به ابن حزم في"الفصل"حده أنه:"هو أن كل ما لم يكن غير الشيء فهو هو بعينه؛ إذ ليس بين الهوية والغيرية وسيطة يعقلها أحد البتة، فما خرج عن أحدهما دخل في الآخر" (2) . وهو ما التمسه الأستاذ جميل صليبا حين عرفها بأنها"المميز عن الأغيار" (3) . وهي تستخدم بمعنى الهيئة، والأوصاف الظاهرة، ويأتي مقابلا لها الأوصاف النفسية والجوهر. وفي اتجاه المقابلة بينها وبين الغيرية حددها الدكتور جميل صليبا بتحديدها على أنها"المميز عن الأغيار".
ولكن بعيدا عن التصور اللغوي والتقليدي الذي غلب على استعمال المفهوم في علوم اللغة والفقه -مقابلا للهيئة- أو الهوية في بحث الأسماء والصفات (4) ، حمل مفهوم الهوية مضامين أخرى عليه وإن ارتبطت بمعناه الثقافي، جعلته يمتد ويؤكد على اكتشاف أمرين مهمين:
1-عناصر التميز للجماعة عن الآخرين، وهي عوامل الثبات فيها.
2-تصورات الجماعة للآخرين وعناصر الاندماج معهم، وفق موقع الذات الذي يحدده العنصر الأول، وهي فعل الثبات في التاريخ وممكناته.