فهذه أيها الإخوة المسلمون، لفتات من أشكال البلاء والمصائب التي تطبع حياة المسلمين في باكستان - وغيرها كما أسلفت - أو ردتها على سبيل الذكر لا الحصر... ليُعلم إلى أي مدى يحيط الخطب والبلاء بهذا البلد الطيب، ولينتبه أهل الدين والريادة فيه لتلافي الخطر قبل أن تستكمل النكبات أبعادها. وقبل أن يقع العقاب الإلهي القدري بالناس جزاء وفاقا على ما قدمت أيديهم وقصروا في جنب الله.
فكما يتضح فإن الصورة النهائية للكارثة، من تسلط الأعداء على المسلمين وتحكمهم فيهم، وقتل خيارهم وأسر شبابهم والتحكم في أقوات عامتهم... وولاء الحكام المحلين لهم، ما هي إلا نتيجة لمفاسد عمت وطمت. والآتي إن لم تتدارك رحمة الله هذا البلد بصلاح أهل الخير فيه أعظم وأكبر لا سمح الله ولا قدر.
وسننتقل لإيضاح بعض الأحكام الشرعية المترتبة على هذه الأحوال، واقتراح الحلول والمخارج من هذا البلاء النازل في باكستان.
ولكني لاحظت أن كثيرا من الأساسيات العقدية والبديهيات الدينية التي يرتكز عليها الحكم على هذه الأحوال، وفق شرع الله ووصف الحلول لها... يصطدم بجهالة عظيمة لدى الكثيرين.
فآثرت أن أقدم لذلك بفصل مستقل للتذكير بتلك الحقائق الشرعية العامة. بصرف النظر عن وضع الباكستان أو غيرها... لأنه من أصول الدين التي لا يمكن أن يقوم تصور للخلاص في ضوء الشريعة، ولا أمر بمعروف أو نهي عن منكر، فضلا عن الجهاد في سبيل الله بدون فهمها واعتقادها.
هذه الأساسيات سنجمعها في فصل مختصر قدر الأمكان هو الفصل التالي. وفيه خلاصة ما نذكر به المسلمين عموما وفي باكستان خصوصا.
لماذا نرفض العلمانية؟
[الكاتب: محمد محمد بدري]
لا شك أن العلمانية كما عرضنا في المبحث السابق لا تستدعي في حقيقة الأمر كبير جهد لبيان تناقضها مع دين الله"الإسلام"فهي من ذلك النوع من الاتجاهات والأفكار التي قال عنها علماؤنا قديمًا: إن تصوره وحده كافٍ في الرد عليه.
فالتوحيد... الذي هو جوهر الإسلام... يتضمن إفراد الله بحق الحكم والتشريع بينما العلمانية... تقر بحق التشريع والحكم لغير الله... الشعب أو البرلمان أو الحزب أو الحاكم.
و"لا إله إلا الله"... التي هي شعار الإسلام... تعني الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، وتقتضي تحكيم شريعة الله، والحكم بها، والتحاكم إليها. بينما العلمانية... نظام طاغوتي يقوم على الحكم بغير ما أنزل الله، ويحمل على التحاكم إلى غير شريعة الله.
والإسلام... الذي هو دين الرسل جميعًا... حقيقته هي الاستسلام المطلق لله، ورفض الاستسلام لسواه.
بينما العلمانية... حقيقتها الاستسلام لغير الله معه أو من دونه سواء كان هذا الغير هو الدستور أو السلطة التشريعية أو الحزب أو غيرها... والشرك... ذنب البشرية الأعظم، ونقيض الإسلام الأكبر... أصله هو تحكيم غير الله والتلقي عن غير الله، فهو تمرد على شرع الله تعالى وعدم تحكيمه في شؤون الحياة بعضها أو كلها.
والعلمانية... ترفض شريعة الله، وتمنع من قبول حكم الله رجوعًا إلى شريعة أخرى... هي ما تشرعه الأمة أو الشعب أو الحاكم أو غيرهم من البشر.
وإذن فالإسلام والعلمانية طريقان متباينان، ومنهجان متغايران... طريقان لا يلتقيان ولا تقام بينهما قنطرة اتصال... واختيار أحدهما هو رفض للآخر... ومن اختار طريق الإسلام... فلا بد له من رفض العلمانية.
هذه بديهية من البديهات التي يعد إدراكهما فيما نحسب هو نقطة الانطلاق الصحيحة لتغيير واقع الأمة الإسلامية، ويعد غيابها هو السبب الأول لبقاء الأمة ألعوبة في يد العلمانيين يجرّونها إلى الهلاك بكل مهلكة من القول والعمل، ويزيدونها غيًا كلما اتبعتهم في طريق الغيّ... طريق العلمانية...
ولأن إدراك هذه البديهية على هذا القدر من الأهمية، فلا بد من التفصيل فنقول..
(1) لأنها تُحِل ما حرم الله
[الكاتب: محمد محمد بدري]
نحن نرفض العلمانية لأنها...
تُحِل ما حرم الله...
إذا كانت الشريعة مُلْزِمة من حيث المبدأ، فإن في داخل هذه الشريعة أحكامًا ثابتة لا تقبل التغيير، وأحكامًا عامة ثابتة في ذاتها، ولكنها تقبل أن تدخل تحتها متغيرات... ومن بين الثوابت التي لا تقبل التغيير ولا يدخل تحتها متغيرات، أحكام العبادات كلها، والحدود، وعلاقات الجنسين.
فماذا فعلت العلمانية بهذه الثوابت؟
إن الأنظمة العلمانية تبيح الزنا برضا الطرفين، و"المتشدد"منها يشترط موافقة الزوج أو الزوجة... والكثير منها يبيح اللواط للبالغين... وكلها يبيح الخمر والخنزير!
فأما الزنا برضى الطرفين فنجد مثلًا أن قانون العقوبات في مصر والعراق يؤكد على أن الزنا إذا وقع برضى الطرفين وهما غير متزوجين وسنهما فوق الثامنة عشرة، فلا شيء عليهما، وإن كانا متزوجين فلا عقوبة عليهما ما لم يرفع أحد الزوجين دعوى ضد الزوج الخائن [10] .
وإذن ففي شريعة العلمانية يكتسب الزنا"شرعية"حين يقع برضاء الطرفين والصلة بامرأة بالغة برضائها لا تقوم به جريمة إذا لم يقع في ظروف تجلعه داخلًا تحت قانون مكافحة الدعارة... وتبيح العلمانية ظهور النساء على شواطئ البحر بملابس الاستحمام مع أنها تكشف العورات.
فالعِرض في شريعة العلمانية هو مجرد حرية السلوك الجنسي، ولكل شخص في هذه الشريعة أن يتخذ لنفسه السلوك الجنسي الذي يروق له، والأفعال التي يحرّمها قانون العلمانية في جرائم العرض، إنما يحرمها لكونها تشكل اعتداء على الحرية الجنسية فحسب لا باعتبارها أمرًا يغضب الله ويحرّمه الدين فإذا اتخذت الجريمة صورة الاغتصاب أو هتك العرض بالقوة فإن القانون الوضعي يُحرم ذلك لكونه اعتداء على الحرية الجنسية، لأن الجاني قد أرغم المجني عليه على سلوك جنسي لم تتجه إليه إرادته ورغبته... ونفس الأمر نجده في جريمة الزنا فهي لا تعد جريمة إذا كان الطرفان غير متزوجين، أو إذا ارتكبها الزوج في غير منزل الزوجية، ولا تتحرك الدعوى الجنائية في جريمة الزنا إلا بناء على شكوى من الزوج، وللزوج الحق في التنازل عن الشكوى بعد تقديمها، وبالتالي تنقضي الدعوى الجنائية، وتوقف إجراءات رفع الدعوى الجنائية وللزوج حق وقف تنفيذ العقوبة [11] !
ذلك قانون العلمانية، وتلك فلسفته فيما يتعلق بجرائم العِرْض والزنا، وما ذكرته ليس إلا شرحًا لنصوص هذا القانون الذي تحكم به محاكمنا، ويدرسه طلاب كلية الحقوق... قانون يمجد الحرية الجنسية، ويجعل من الشرطة حاميًا لها، بل وتشرف الدول العلمانية على الملاهي الليلية وتعد لها شرطة خاصة لحمايتها... وكأنها بيوت رسمية للبغاء... بل هي على الحقيقة كذلك فلا يستطيع إنسان كائنًا من كان، منع راقصة من الذهاب إلى هذه الملاهي، وإلا اعتبر ذلك منع لموظفة من أداء وظيفتها، وتعرض مَنْ منعها للعقوبة الجنائية والمدنية، واحتفظ صاحب الملهى بحق مقاضاتها ومطالبتها بالتعويض لعدم وفائها بالتزامها التعاقدي معه!
وهكذا تبيح العلمانية الزنا، وتهيئ له الفرص، وتعد له المؤسسات، وتقيم له الحفلات في الملاهي والمسارح.