لماذا هذه الجرأة في التعبير التي لا تعرف معنىً للقداسة التي يجدها المسلم تجاه الله - جل وعلا - وأنبيائه ورسله وكلماته؟!.. لقد ارتبطت الحداثة بهذا النوع من النصوص الذي يجترئ على انتهاك هذه القداسة مثل:
"والله مات وعادت الأنصاب"عند نزار قباني
وعند أدونيس:
"يا رب، أيها الهيكل المنوّر بالعذاب وبالشعر"
والدمع يا فحل الشمس والأرض افتح ولو مرة جفونك""
لماذا هذا التهكم دائمًا بكل ما هو فاضل وعفيف وطاهر؟!
لماذا الثورة على أسس الفضيلة التي تدعم استقرار البيت والمجتمع المسلم وتوزع الأدوار بين الرجل والمرأة في تكامل؟!
لماذا الإصرار على نحت وجوه الجواري وأجساد الغانيات في الخيال الأدبي ونصبها مثالًا لنساء المسلمين؟!
هل تقدم الحداثة شيئًا لأمتنا:
يقول الدكتور كريم الوائلي:"إذا كانت الحداثة العربية قد فهمت حداثة الآخر سطحيًا، فإنها في الوقت نفسه مغتربة عن الواقع الاجتماعي العربي ومتعالية عليه.. فيقدم الحداثيون نصوصًا تعكس واقعًا مختلفًا ومغايرًا".
إن منهجًا بهذه الصفة لا يحدث تغييرًا إيجابيًا خلاّقًا يفضي إلى بعث الأمة من وهدتها وهل تبعث الأمة ببتّها عن جذورها؟!!.. كما لا يعيش حقيقة هموم البسطاء إلا بِطَرْقٍ سطحي يحاول أن يرسم به شكلًا مختلفًا عن هوية الإنسان العربي والمسلم.
فالحداثة كانت وما تزال قناعًا للحركات المنبتة عن الأمة من شيوعية وقومية، وجواز مرور كسيح لعديمي الموهبة من طلاب الشهرة والذيوع.
يرى د. كريم الوائلي أن الحداثة العربية ارتبطت عن طريق أغلب شعرائها بالسلطات القمعية وصاروا من المدافعين عنها، خاصة حداثيي ما بعد 67.
إن الفجوة عميقة والهوة ساحقة بين"الحداثيين"وبين وجدان الأمة ولا يمكنها أن تنصب جسرًا إلا على أنقاض الأخلاق والإيمان والعقيدة.. وهو ما تحاوله دأبًا وهيهات.
* محرر بشبكة المشكاة الإسلامية
[1] وقد استبطن مقولاتهم الدكتور كريم الوائلي في بحثه"تناقضات الحداثة العربية"
ملامح هوية المقاومة العراقية: من هي القوى التي تحارب الأمريكيين؟
بطرس عنداري
الآن وبعد مرور عام ونصف العام على احتلال العراق، ووضعه تحت الإدارة والحماية الأمريكية المطلقة، وبعد أكثر من 20 ألف عملية ضدّ قوات الاحتلال والمتعاونين معها، حان الوقت لمحاولة إلقاء الضوء على هوية ومعالم المقاومة الوطنية العراقية التي تمكنت من إثبات وجودها، وتوجيه الضربات الموجعة إلى قوات الاحتلال رغم شراسة ووحشية هذه القوات التي تقصف عشوائيًا، وتقتل ألوف الأبرياء، ورغم الحملات الإعلامية التضليلية التي تحاول أن تحصر عمليات المقاومة العراقية بشخص واحد يطلقون عليه اسم أبو مصعب الزرقاوي.
من المؤسف أن الكتابات والدراسات عن المقاومة العراقية باللغة العربية اقتصرت على التعليقات من سلبية وإيجابية، ولم تحاول أي جهة القيام بمهمة علمية لمعرفة هوية حركة مقاومة وطنية نفذت خلال شهر آب - أغسطس المنصرم حوالي 2300 عملية ضد قوات الاحتلال حسب ما أعلنته المصادر الأمريكية.
إن الدراسة التي كتبها المفكر العربي الدكتور خير الدين حسيب، ونشرت في مجلة المستقبل العربي نيسان 2004 تعتبر الدراسة العلمية الوحيدة التي قدمت نظرة استراتيجية ووطنية لدور المقاومة، واعتبرتها الأمل الوحيد لاستعادة العراق والكرامة العربية.
وقد جاءت دراسة الدكتور حسيب رئيس مؤسسة الوحدة العربية بمناسبة مرور عام على احتلال العراق.
وربما كان الصحافي الاسترإلى البارز بول ماغيو أول من كتب عن المقاومة الوطنية العراقية على صفحات سيدني مورنينغ هيرالد بتاريخ 16/8/2003حيث نشر أول تحقيق مطول ومفصل عن المقاومة العراقية ضدّ الاحتلال الأمريكي تحت عنوان: داخل المقاومة العراقية، وقد قمنا بترجمة هذا التحقيق آنذاك، وتم نشره في القدس العربي وصحف عربية أخرى.
كان تحقيق المراسل الاسترإلى مفاجأة إذ شكل أول تحقيق في الصحافة الغربية والعالمية عن مقاومة الاحتلال، وتحدث بإسهاب عن وجهات نظر المقاومين الذين التقاهم سرًّا، وأكدوا له أنهم يقاومون بهدف تحرير وطنهم من الاحتلال وليس من أجل نظام أو حزب معيّن، وقال: إن رجال المقاومة في بغداد يتحركون ويتنقلون بسهولة لأن قوات الاحتلال عاجزة عن السيطرة على المدينة الشاسعة، كما أن الجنود الأمريكيين يعيشون حالة من الرعب والخوف الدائمين بسبب نمّو عمليات المقاومة.
هكذا وصف ماغيو الحالة قبل 15 شهرًا وكانت المقاومة في بداياتها، ولا شك أنها تضاعفت حاليًا حيث قدر عدد العمليات اليومية آنذاك من 10 إلى 15 عملية، ويعترف الأمريكيون حاليًا بأن عمليات المقاومة تتراوح من 70 إلى 80 عملية كل 24 ساعة بعد أن كانت في مطلع العام الجاري 35 - 40 عملية يومية.
إن الاعتراف بهذه النسبة المرتفعة من العمليات ضد الاحتلال يشكل اعترافًا واقعيًا بأن المقاومة الوطنية العراقية أصبحت قوة معنوية وعسكرية وسياسية وثقلًا في الحياة العراقية، وقد طالبت فرنسا علنًا بإشراك ممثلين عن المقاومة العراقية في أي مؤتمر دولي يعقد من أجل العراق؛ مما أثار غضب المحتلّين وأعوانهم في الداخل العراقي، وبعد الإعلان عن عقد مؤتمر شرم الشيخ أسرع الأمريكيون وحكومتهم المعينة إلى الإعلان عن معارضتهم الشديدة لحضور ممثلي المقاومة العراقية لأن هدف الاجتماع هو لدعم رموز الاحتلال، وانتزاع المزيد من المبررات لشرعنة الاحتلال.
هل كانت المقاومة مفاجأة؟
طلبت الحكومة الأمريكية قبل بدء غزو العراق من عدّة مراكز دراسات متخصّصة تقديم الدراسات عن احتمال قيام مقاومة مسلحة ضد القوات الأمريكية في العراق، كما طلب من القوى العراقية التي عملت مع الأمريكيين وحرضتهم على احتلال وطنهم أن تقدّم تقارير مفصّلة عن هذا الموضوع، وقد قُدمت تقارير هذه القوى مؤكدة أن احتمال قيام مقاومة حقيقية وفعّالة ضد الجيش الأمريكي أمر مستبعد جدًا، وأشيع أن المعارض المعروف صلاح عمر العلى كان الوحيد الذي رجّح قيام مقاومة ضاربة ولكن حليفه السابق إياد علاوي خالفه الرأي وافترقا منذ ذلك الوقت.
وعندما بدأت ضربات المقاومة حاولت قيادة الاحتلال تجاهلها، ووصفت أعضائها بـ"فلول أنصار النظام السابق، وبقايا البعثيين"، ولكن تزايد العمليات غيّر الواقع، ودفع المراسل الاسترإلى البارز ماغيو إلى القول منذ آب 2003: بأن القوات الأمريكية تعيش حالة من الرعب، وقد وصل الأمر مؤخرًا إلى قيام حالات تمرّد داخل قوّات الاحتلال كان أبرزها ما حصل مؤخرًا حيث رفضت وحدة عسكرية مواكبة شحنة وقود من بغداد إلى الشمال خوفًا من كمائن المقاومين.
وسنحاول في هذه الدراسة المتواضعة أن نبتعد عن تعليقات معظم الكتاب العرب الذين انقسموا إلى فريقين متناقضين: الأول: يري أن المقاومة العراقية ستتمكن من إلحاق الهزيمة بأكبر قوة عسكرية عرفها التاريخ في فترة قياسية.
أما الفريق الثاني: فيري أن المقاومة ليست أكثر من مجموعة عصابات إرهابية، تحاول زعزعة الاستقرار وعرقلة العودة إلى الحياة الطبيعية داخل العراق، والمنطق الثاني هو منطق الاحتلال.