-لكن بعض الدول القوية صارت تحاول إخضاع البشرية كلها إلى قيم نابعة من هويتها، أو خادمة لمصالحها؛ بحجة أنها قضايا إنسانية عامة لا ثقافية خاصة. ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما سمي بـ (الإعلان العام لحقوق الإنسان) الذي يقول كثير من نقاده حتى من الغربيين: إن كثيرًا من بنوده لا ينطبق عليه وصف الحق الإنساني، والذي يرى بعضهم أن كثيرًا منه تعبير عن ثقافة معينة هي الثقافة الغربية. بل إن بعض الجهات المؤثرة صارت تستغل الأمم المتحدة نفسها لإلزام الأمم كلها بقرارات نابعة من قيمها، ومنها قضية المرأة.
نخلص من هذا كله إلى أنه على المسلمين في بلد: كالسودان أن لا يُخدَعوا بما يقول لهم مثلًا الزعيم (قرنق) من أن علينا جميعًا أن نجتمع باعتبارنا سودانيين فحسب، وأن نجعل الدين أمرًا شخصيًا؛ لأن الأديان تفرقنا والوطن يجمعنا. إن قرنق لا يتحدث هنا باعتباره سودانيًا فحسب، بل ولا باعتباره جنوبيًا فحسب، وإنما يتحدث باسم الحضارة الغربية وقيمها.
إن تخلّي المسلمين عن دينهم في حياتهم العامة ليس استمساكًا بوطنية لا هوية فيها كما يدعي (قرنق) ، وإنما هو إحلال للهوية الغربية محل الهوية الإسلام
فقد الهوية
سعيد بن عبد الباري بن عوض
جدة
سعد بن أبي وقاص
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-معنى انتسابنا للإسلام. 2- ضياع الهوية الإسلامية عند كثير من المسلمين. 3- الوقوع في قبضة التغريب نوع من ضياع الهوية. 4- المرأة المسلمة أيضًا تضيع هويتها بنزعها للحجاب والحياء. 5- الإسلام دعوة للحياء والعفة. 6- التقارب بين الأديان صورة من صور فقد الهوية. 7- دور فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإصلاح.
الخطبة الأولى
أما بعد:
عباد الله، سؤال قد يتعجب الكثير من طرحه، والسؤال هو: ما هويتك؟
بمعنى: من أنت؟
ولعل مجيبًا يقول: أنا فلان بن فلان، وآخر يقول: أنا المهندس أو الطبيب أو المعلم أو الشيخ أو التاجر. ولعل متعمقًا يقول: أنا عربي من بلاد العرب.
ولكن…. ما هذا الذي أردت. وإنما أردت إجابة واحدة مكونة من كلمة واحدة هي: أنا مسلم.
ذلك هو الجواب لمن وفق للصواب. ومع ذلك نقول: إنه لا يكفي أن تقول: أنا مسلم، وإنما المهم بعد ذلك أن تعرف ماذا تعني هذه الكلمة؟
أخي الحبيب: أنا مسلم تعني انتماء لدين الله الذي أنزله من فوق سبع سماوات على أفضل أنبيائه وخاتم رسله.
أنا مسلم تعني موافقة الفطرة التي فطر الله الناس عليها فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدّينُ الْقَيّمُ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [الروم:30] .
أنا مسلم تعني طريقة تفكير وأسلوب عمل ونمط تصرفات ومنهج حياة.
أنا مسلم تعني اصطفاء واجتباء، طهارة ونقاء، سمو وارتقاء.
أنا مسلم ممن قال الله فيهم كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110] . أنا مسلم ممن قال الله فيهم: وَكَذالِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143] . أنا مسلم ممن قال الله فيهم: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسْلاَمَ دِينًا [المائدة:3] .
أنا صاحب الدين الذي قال الله فيه: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85] .
أنت مسلم … نعم …. تلك هي هويتك يا من شهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. هويتك الإسلام ودينك الإسلام، به تحيا، وفي سبيله تجاهد، وعليه تموت إن شاء الله.
ولكن … ترى هل هذه هي هوية ألف مليون أو يزيدون ممن ينتسبون لهذا الدين؟
هل استشعر هذا العدد الضخم كل تلك المعاني في انتمائهم لهذا الدين؟
هل لا زالت هذه الهوية منظورة مشهودة على أرض الواقع للمنتسبين لهذا الدين؟ إنها المأساة - عباد الله - حين تبحث عن جواب لهذه التساؤلات. إنها مأساة حينما تنظر إلى كثير من المسلمين اليوم، فتجد أن هويتهم قد انمحت أو طمست. تنظر وتتأمل فترى، هذا مشرق وذاك مغرب، ولا تكاد ترى من أفراد الأمة الوسط إلا القليل.
أيها المسلمون يعرف المسلم بمنظره ومخبره، بهيئته وسلوكه، بتعامله مع الناس.
فهل إذا تفحصنا أحوال الأمة وجدنا المسلم الحق؟!!
إنني أتساءل… أين هي الأخلاق الإسلامية، أين الصدق، الأمانة، الإخلاص، الوفاء بالوعد، حب الخير للناس، الإيثار، الكرم، الشجاعة.. وغيرها من الأخلاق.
هل لا زالت حية على أرض الواقع أم أنها بليت واندثرت؟!!
أما أصبح الكثير منا اليوم إذا أراد أن يؤكد وعده يقول: (وعد انجليزي) ، ألم تسمع كثيرًا من أصحاب المؤسسات والأعمال يقول بأن العامل الكافر يعمل بإخلاص أكثر من العامل المسلم. أليس الكثير منا إذا أراد ألا يفي بوعده يقول لك: أفعل إن شاء الله، حتى أصبح بعض الناس يقول لك: لا تقل: إن شاء الله، أكد كلامك. لماذا هذا؟ لأن التعليق بمشيئة الله أصبح سمة للتهرب من الوفاء بالوعد.
ترى علام يدل هذا؟
أذلك هو المسلم؟!!
أخي المسلم، تلك هي الأخلاق الإسلامية السائدة اليوم عند الكثير إلا من رحم الله.
وأما إذا تحدثنا عن الهيئة والمظهر فحدث ولا حرج عن رجال المسلمين ونسائهم في لباسهم وأثاث بيوتهم وطريقة أكلهم وشربهم.. وما إلى ذلك.
ملابس غربية وبيوت غربية وطريقة أكل غربية إلا من رحم الله. بل وبلغ الحد ببعض شبابنا ورجالنا أن قلدوهم في قصات شعورهم ومشيتهم وجلستهم. حتى ظهر عندنا شباب أطالوا شعورهم وربطوها كما تفعل النساء، يفعلها بعض الشباب تقليدًا لكافر رآه. ورأينا رجلًا قد ابيض بعض شعر رأسه يمشي بسروال قصير قد كشف عن بعض فخذيه، يفعل ذلك هو الآخر تقليدًا لكافر رآه.
وأعجب من ذلك أن ظهرت في الآونة الأخيرة محلات لقص الشعر وصبغه وعمل ما يسمى بالاستشوار. تظنون ذلك لمن؟ للنساء … كلا إنها للرجال، ويالها من مصيبة أن يفعل ذلك شباب أمة يفترض فيها أن تقود العالم إلى الله بدعوتها وجهادها.
إنه عباد الله فقد الهوية وضياع الهوية حتى أصبح المسلم يبحث عن هوية بدلًا عن تلك التي أضاعها وأضاع معها تميزه الذي حباه الله إياه. وهكذا تفقد الهوية شكلًا ومضمونًا.