فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 719

ألم يحن الوقت لنا بعد لنتدبر الألفاظ التي نتفوها ونستخدمها فيما بيننا وفى إعلامنا؟ وهل سنشهد في المستقبل القريب هيئات مثل كليات اللغة العربية والمجمعات اللغوية تنتفض وتنهض لإزالة ما ران على لغتنا الجميلة وتدافع عنها في وجه هذا الغزو الوافد في عصر فرض الهيمنة الثقافية واللغوية الأميركية وتعيدها إلى سابق عهدها التليد؟ وألا نقف نحن مع أنفسنا لنتدبر حالنا حيث بات كل هم الكثير منا هو تعليم أبنائه في مدارس تعليم اللغات الأجنبية - بأسعار بالغة- دون أي اهتمام بتعليم أبنائهم لقواعد اللغة العربية وبعض الأجزاء من القرآن الكريم لصقل ألسنتهم حتى نراهم يكتبون جملة صحيحة ويقولون قولا سديدا بدلا من الأمور التي يندى لها الجبين عندما يكتب أو يقرأ أو يتحدث هؤلاء؟ وهل نرى الوقت الذي يقترن فيه طلب المؤسسات والهيئات تعيين موظفين لديها شرط إجادة اللغة العربية بشرط إجادة اللغة الإنكليزية؟

وقديما قيل إذا ذل العرب ذل الإسلام والمقصود بالعرب هنا هو اللسان وليس الجنس العربي فمن تكلم العربية فهو عربي. فعلينا أن ننظر ونتدبر ما لدينا من مفردات لغوية مصدرها القرآن والسنة ونعود إلى استخدامها لعلها تكون أحد العوامل الرئيسية لنهضة أمتنا من سباتها العميق الذي يكاد يذهب بها وحتى لاينطبق علينا إلى حد ما ما انطبق على بني إسرائيل من قبل وهو مثال ينطبق على كل من يفعل هذا الفعل مهما كان وأينما كان (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله) الجمعة (5) ، (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولوشئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون) الأعراف (176) ، (فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتيهم عرض مثله يأخذوه. ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون، والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لانضيع أجر المصلحين) الأعراف (170، 169) .

ولغتنا العربية لغة عريقة وأصيلة وواسعة تستوعب كل الأسماء والمستجدات العصرية فهي لغة متطورة وليست جامدة. ورحم الله الشاعر حافظ إبراهيم الذي نظم لنا هذه القصيدة الخالدة على لسان لغتنا العربية الجميلة وهى تشكو من سوء معاملتنا لها وتنعى حظها بين أهلها منذ قرابة قرن من الزمن وإن كان واقعنا اليوم لا يختلف كثيرا عما كان عليه الحال في ذلك الوقت والتي يقول فيها:

رجعت إلى نفسي فاتهمت حصاتي *** وناديت قومي فاحتسبوا حياتي

رموني بعقم في الشباب وليتني *** عقمت فلم أجزع لقول عداتي

ولدت ولما لم أجد لعرائسي *** رجالا وأكفاء وأدت بناتي

وسعت كتاب الله لفظا وغاية *** وما ضقت عن آي به وعظات

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة *** وتنسيق أسماء لمخترعات

أنا البحر في أحشاءه الدر كامن *** فهل سألوا الغواص عن صدفاتي

فيا ويحكم أبلى وتبلى محاسنى *** ومنكم وإن عز الدواء أساتي

فلا تكلوني إلى الزمان فإني *** أخاف عليكم أن تحين وفاتي

أرى لرجال الغرب عزا ومنعة *** وكم عز أقوام بعز لغاتى

أتوا أهلهم بالمعجزات تفننا *** فياليتكم تأتون بالكلمات

أيطربكم من جانب الغرب ناعب *** ينادى بوأدي في ربيع حياتي

أبحث عن هوية

أ. إسماعيل ربعي

منذ القديم القديم سكنت أرض فلسطين، وبقيت هويتي داخل بطاقتي، والكل يعرفني إلى أن دار الزمن دورته، وخرجت من الضلالة إلى الهدى، ومن الظلمة إلى النور، ومن مجتمع الفجار إلى نادي الأخيار، فلمع اسمي وتقدّست أرضي، وارتوت بدماء الشهداء، فكان لون تربتها أحمر قاني، ورائحة هوائها مسك غالي، بارك الله فيها، ومدح المصطفى ساكنيها، فهي أرض الرباط وأرض المحشر والمنشر للناس، وما أن تلمّسْت جيبتي شعرت أني فقدت هويتي، فما عدت أعرف نفسي وأخذت أبحث عنها في كل مكان وتحت كل سماء، فأنا كبش الفدا، أُريق دمي في غير الأشهر الحرم، وأصبحت عندهم المذنب الذي لا يُحسن العيش، فلا يأكل كالبشر، ولا يشرب إلاّ الماء الكدر، قالوا لي: تعيش على أرض ليست لك، فيجب أن تُعطى لمن لا أرض له.

بالقوة أخرجوني، ومن بيتي طردوني، فأخذت أبحث في كل ناحية لعلي أعرف داري أو أجد نفسي.

سحت في البراري وفي يدي عصا الترحال، ومشيت من بلاد لبلاد، وفي كل قطر يقال لي: وجهك مختلف، ودمك حار، ولون بشرتك غريب، فمن أي الكواكب يا ترى أنت؟؟

كنت أقول: أنا من غاصت في أعماق التاريخ جذوره..أنا ابن المروءات الأبية والنخوة العربية، أنا الذي عاش فيها منذ أن عاش الديناصور، وعمّرت فيها عمر شجر البلوط والزيتون، ألا ترون ملامحي!! ألا تعرفون بشرة وجهي!! انظروا..فلوني حنطي عربي إسلامي دعوي.

قالوا: فهمنا الآن.. أنت متهم بعدة تهم..

أولاها: أنت عربي إرهابي.. وثانيها: أنت فلسطيني تحرّري.. وأما كونك إسلامي فأنت أصولي ودعوي معنى ذلك أنك حركي..

ألا تكفيك هذه التهم؟!!

قلت: إذن أنتم تعرفوني.. قالوا: نعم.. لكن جواز سفرك مفقود.. فأنت لا أصل لك في الوجود.. ولا هوية لك تعبر بها الحدود.

قلت: أنا الذي طعنه خنجر الغدر، ورماه سهم الخصم، وهدم بيته سليل القرد، أنا الباحث عن أمي وأبي.. عن عمّي وعمّتي.. عن أختي وخالتي.. أنا الذي سمع الغرب أنيني ورمى كيس الدقيق أمامي ظانًا أنه يغيّر اتجاهي ويجعلني أنسى أهلي وداري، ألا تعرف شجر الزيتون!! إنه يُعمّر مثلي، وشريك عمري، ورفيق دربي، من هناك نبتت جذوري على جبال الجليل والقدس والخليل، لكني فقدت بيتي وحرقوا زرعي، ضاعت أبقاري وهجرت بئر مائي، هل تدلني على الطريق؟؟ أم أنك تتعب إن كنت معي من نفس الفريق.

خذ هذا الإثبات.. أنا من تجرّع مرارة الشتات، وحسّ حر الصيف وبرد الشتاء، أنا الذي لعبت الأعاصير بخيمتي حتى أصبحت زنزانتي، ألا تكفي كل هذه الإثباتات؟!! أم أنني ما زلت في أرض الشتات!! ألا تعرفوا من أنا؟؟

قال: أوضِح ما زلت مجهولًا.. قلت: أنا من ذاق جلده ألم السياط ولسع الكهرباء.. أنا من كُبّل بالقيود ومُنع مغادرة الحدود، أنا السجين الطريد أإنا الوحيد الغريق.. قال: كل هذا لا يعنيني.. من أين أنت؟؟ وماذا تحمل معك؟؟ قلت: من أولى القبلتين وثالث الحرمين.. قال: من أين من أين؟؟ قلت: من أرض الإسراء والمعراج.. قال: لا أفهم هذه الطنطنات.. أنت غير مرغوب وعليك الرجوع، وتحمل معك أشياء محظورة.. قلت: ويحك.. ما هذه إلاّ حبات بندورة... قال: لا.. لست هذا أعني.. أنت تحمل في رأسك أفكارًا، ويدك ستكون منشارًا، وصوتك يعلو مزمارًا، وهذه أشياء ممنوعة..

بصريح العبارة.. أنت تفكر في كل حارة، والفكر عند العربي ممنوع.. قلت: إذن أتسمح لي بالدخول.. قال لي: لا إنها التعليمات.. قلت: إذن أحاول من كل الجهات.. قال: هيهات هيهات.. ممنوع الدخول لأمثالك..

جلسْت مطرق الرأس حائر الفكر مشتت النظر.. أقول في نفسي: كل هذه الإثباتات ولا أعرف من أنا!!

أنا صعقة المنون ولا حق لي في العيش والوجود، وأنا على هذا الشكل وبهذا اللون.

يا ترى ألا يعرفني الجيران من سوريا ولبنان أو مصر والسودان إلى من أذهب؟؟ فأنا الغريب وسط الجيران، وأنا المذنب في كل البلدان. ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت