فهرس الكتاب

الصفحة 649 من 719

وبعض من تناول هذه النصوص تناولها من غير أن يستحضر التفاعل الاجتماعي؛ فقصر تناوله عن كثير من العوامل المرتبطة بالظاهرة أو حال التغيير التي تناولها النص، ولهذا كانت تلك الشروح غالبًا منفصلة عن الواقع الاجتماعي. ولعل أفضل من تناول التغيير من علمائنا ودرسه دراسة واسعة العلامة ابن خلدون -رحمه الله- في مقدمته، واستطاع بدراساته تلك أن يؤسس لعلم جديد هو علم العمران الذي عُرف فيما بعد بعلم الاجتماع.

والعلم بالتغيير ضروري للفقيه من أجل إنزال الحكم على الواقعة، ودارسو الفقه الأكثر فقهًا بالتغيير هم الأقوى ملكة فقهية والأقدر على الاجتهاد للنوازل. ولعل القارئ يلحظ أن الفقه تحوّل عند البعض إلى نصوص جامدة وقوالب ثابتة من غير اعتبار للمكان والزمان، وما سبب ذلك إلا الإعراض عن دراسة أحوال المجتمع وما يمر به من تحوّلات، وهذه الدراسة هي ما نعنيه بدراسة التغيير الاجتماعي. وابن القيم -رحمه الله- كان واعيًا بذلك فنصّ في كتابه"إعلام الموقعين"على تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان.

والعلم بالتغيير ضروري للداعية والمصلح من أجل بناء المجتمع، فلا يصطدم مع الناس في دعوته، ولا يستبطئ الإصلاح واستقامة الناس على الحق.

دارسو التغيير الاجتماعي يفرقون بين أمرين: التغير الاجتماعي، والتغيير الاجتماعي. والتغير يتصف بالتلقائية، وهو سنة ثابتة في المجتمع، فما من مجتمع إلا و هو يتغير. مثلًا الأفراد يمرون بمراحل من أعمارهم فهم ينتقلون من ضعف إلى قوة، ثم إلى ضعف وشيبة كما أخبر الله سبحانه، وكذلك الدول تنتقل من حال ضعف إلى قوة ثم إلى ضعف فتشيخ وتهرم. والأعمال الإدارية تنتقل من البساطة إلى البيروقراطية؛ إذ تكثر الضوابط والاحترازات، وتتعدد طبقات الهرم الإداري. أما التغيير فهو تغير اجتماعي مخطط له، أي أنه يتجاوز التلقائية في الحركة والعمل إلى القصد في التغيير وفقًا لخطة محددة.

ودراسات التغيير الاجتماعي مهما تنوّعت فهي تتناول قضية جوهرية، وهي التفاعل بين الطاقات البشرية، والإمكانات المادية، ومقدار المنجزات الناتجة عن هذا التفاعل. والحديث عن الطاقات البشرية هو حديث عن كيان معقد يمتزج فيه الجانب النفسي المتمثل في الإرادة والقيادة والفكر، والجانب الاجتماعي المتمثل في التنظيم وشبكة العلاقات الاجتماعية، والجانب الإداري ومعه التشريعات المنظمة للسلوك والحركة الاجتماعية. والجانب المادي هو كيان أيضًا يمتزج فيه ما هو متاح من المادة مع ما هو ممكن، وهذا يتفاعل بدوره مع مستوى التقنية.

وعلماء التغيير متفقون الآن على أن الأدوات ليست محايدة بل تحمل معها مضامين ثقافية وقيمًا تساهم في التغيير الاجتماعي، والأدوات كما هو معلوم صورة من صور المادة التي تتفاعل معها في إحداث الفعل الاجتماعي.

إن أكبر خطأ يرتكبه المفكر حينما يفكر بعيدًا عن مفاهيم التغيير الاجتماعي، في هذه الحالة يصبح فكره حادًا ومصطدمًا مع الطبيعة التلقائية للمجتمع. المجتمع من طبيعته أنه يتحرك .. ينمو .. يضعف ..يقوى .. يتطور.. إنه كيان حيّ متحرك. . وهذا النوع من المفكرين يفترض أن المجتمع كائن جامد غير قابل للحركة، ويفترض أن مقولاته الجاهزة، وما يحمله من أنماط معينة من السلوك هي التي ينبغي للمجتمع أن يأخذ بها. لا! ليس الأمر كذلك، إن هناك تفاعلًا بين المجتمع والفكر. وقد أدرك علماؤنا السابقون ذلك فقالوا:"المشقة تجلب التيسير"في لفتة منهم إلى بعض أحوال التغير الاجتماعي. والسلوك الاجتماعي من عادته أنه يتراوح بين الضبط والارتخاء، أو إن شئت فقل: إنه في حالة صراع بين الضبط السلوكي وبين التحلل من القيود. والمفترض أن يكون الفكر ومنه فتوى الفقيه ضابطًا للسلوك الاجتماعي في انحداره، فلا يدعه يتفلت من ضوابطه. والتيسير ليس هو التيسير الآني فقط فهذا أحد معانيه، وأهم منه ما يؤول إليه الفعل في المجتمع، ومن الأفكار والفتاوى ما يظنها أصحابها تيسيرًا على الناس، ولكنهم بعد فترة يكتشفون مقدار الحرج الذي لحق بالناس بسببها. مثلًا البعض حينما يفتي لفرد من الأقلية المسلمة فتصبح فتوى للأقلية بكاملها بينما هي في الأصل خاصة، وربما جاءت الفتوى مراعية الوضع الآني الذي يعيشه فرد ما فكانت معززة الوضع الخاطئ الذي يعيشه الفرد ورافعة لحرج عنه في أمر هو في أصله مخالفة شرعية، كتلك الفتوى التي أفتت لهم بجواز بيع الخمر على غير المسلمين، وأنا هنا لن أناقش الفتوى من ناحية فقهية، ولكن أتحدث عنها من ناحية أثرها الاجتماعي وعلاقتها بالتغيير. هذه الفتوى تدفع السلوك الاجتماعي إلى التحلل من القيود، ولو تراكمت مجموعة فتاوى من هذا النوع لكان نتيجتها نزع الهوية الإسلامية عن أصحابها، وتذويب الفوارق بين الأقلية المسلمة والأكثرية غير المسلمة. إن الفتوى التي تحرم على المسلم بيع الخمر مثلًا تحافظ على قدر من سمات الهوية، وتدفع المسلم إلى التخلص من الإثم بتصحيح سلوكه وإنشاء مؤسسات مجتمعية متفقة مع الهوية الإسلامية سواء كانت المؤسسات تجارية أو اجتماعية أو سياسية أو ثقافية أو تعليمية. وفي هذا محافظة على هوية الأقلية المسلمة وترسيخ لوجودها، وتأكيد لاستمرارها في مجتمع الأكثرية.

لعل من مواطن الخلل في الفكر الإسلامي الحديث تقصيره في الدراسات الاجتماعية، ومنها موضوع التغيير الاجتماعي الذي تناوله مشكورًا الشيخ سلمان. وإني لأعجب أن من يتناول موضوع التغيير الاجتماعي إنما يتناول الجانب السلبي منه فقط، ولا يرى في التغيير إلا أنه اتجاه نحو فساد المجتمع، وتجده يحصي الجوانب السلبية ومظاهر الانحراف، ويغفل عن الجوانب الإيجابية، كما يغفل عن إرادة الناس في اختيار اتجاهات التغيير. وينتهي هذا المتحدث إلى رفض التغير، ورفضه غير ممكن، والمطالبة بوقف حركة المجتمع، وهذا مخالف لسنة الله في المجتمعات.

وقيمة ما قدّمه الشيخ سلمان في برنامجه أنه أراد أن يعلمنا أن التغير الاجتماعي موضوع يمكن التحكم فيه وتوجيهه، ولهذا تحدث عن التغيير وليس عن التغير، وحدد لنا ما يدفع نحو التغيير وما يوقفه، وبين لنا أن التغير أمر حتمي، وهو إيجابي لمن أحسن التعامل معه وسلبي لمن أعرض عن الاستفادة منه أو صادمه. شكرًا للشيخ سلمان وحفظه الله ووفقه.

أمريكا تعيد لعب الدور الروسي

شادي الأيوبي 6/12/1424

فرضت فترة الصراع (الأمريكي - السوفييتي) خلال سنوات الحرب الباردة على دول العالم أجمع ظروفًا خاصة تبعًا لتحيز كل دولة لمعسكر من المعسكرين العالميين اللذين هيمنا على مقدرات العالم لفترة طويلة، وندر أن سلمت دولة في تلك الحقبة من مضاعفات ذالك الصراع؛ بل ندر أن يسلم قطاع من قطاعاتها من تلك المضاعفات.

ومن أبرز الدول التي خضعت للظروف الخاصة دول العالم الإسلامي، بل إن هذه الدول كانت نقطة ارتكاز ومحور صراع رئيس للمعسكرين لعوامل عديدة؛ منها: الموقع الجغرافي والأهمية الإستراتيجية وغيرها.

ومن سوء حظ تلك الدول وقوعها تحت الهمينة المباشرة لأحزاب وثورات تابعة عقديًّا وممولة مباشرة للمعسكر الاشتراكي أو للمعسكر الغربي، وقد خضع العالم الإسلامي في تلك الفترة إلى عمليات تغيير وتشويه فظة ومحاولات مسخ للهوية تحت مسميات شتى وأهداف واهية لم تلبث أن سقطت مع سقوط المحرك الرئيس لها في الدول المصدرة للثورة والأفكار المستوردة .

مسخ الهوية .. بين المعسكرين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت