ولا شك أن الدول التي كان نصيبها الوقوع تحت قبضة المعسكر الاشتراكي كان لها نصيب أكبر من التضييق والتشديد ومحاولات مسخ الهوية، وذلك بهدف نزعها من المحيط الإسلامي وإلحاقها بالمعسكر الاشتراكي، وشملت تلك المحاولات مجالات التعليم بمختلف فروعه، ومجالات العمل في سلك الدولة، وصولًا إلى التضييق على الأرزاق وقطع الأعناق مما لا يتسع له الكثير من الصفحات لتسطيره.
أما الدول التي كان نصيبها الوقوع في المعسكر الغربي؛ فكان نصيبها مختلفًا، فمحاولات مسخ الهوية ارتدت ثوب الحداثة والعلم والفكر المنفتح والأفكار الليبرالية وكانت بعيدة عن الأسلوب الاشتراكي الثوري الذي أرهب العباد لفترة طويلة من الزمن.
وهكذا فقد كانت الأجيال المسلمة في العالم الإسلامي تخضع لعملية غسيل دماغ ومسخ قسري وسلخ عن التاريخ بالأساليب الثورية التي لا تعرف من الثورة إلا الهمجية المطلقة وتشهد - إلى اليوم- المعتقلات والسجون بهول تلك الفترة وفظاعتها.
وما من شك أن أعداء هذه الأمة الذين حاولوا سلخها من تاريخها ودينها كانوا يجدون أول العقبات التي تتصدى لهم هي تمسك المسلمين بدينهم وكتابهم، وأن أهم ما عليهم فعله هو إبعادهم عن تلك التعاليم التي تحمل من الحيوية ما لا يحمله مبدأ أو دين آخر، لذلك اشترك الفريقان المهيمنان على العالم الإسلامي في هذه العملية في الشكل المنهجيّ مع اختلاف الأساليب.
اختلاف الوسيلة والغاية واحدة
ومهما كان من المعسكر الغربي في تلك الفترة؛ فقد كان أكثر لباقة ومكرًا في عرض مبادئه وتسريبها، فقد مثلت قيم الحرية والتنوير منافسًا مغريًا أمام هول الستار الحديدي الذي أقامه المعسكر الاشتراكي، كما لم تكن الثورات التي تدعهما أجهزة المخابرات الأمريكية ترتكب دائمًا الفظائع التي كان الاشتراكيون لا يتورعون عن القيام بها في سبيل إقامة دولتهم الاشتراكية المجيدة.
وهكذا عرفت الكثير من الدول الاشتراكية في فترة الحرب الباردة ظاهرة الهروب من"النعيم الحديدي"إلى الغرب الذي لم يكن أقل همة في استنزاف الشعوب وسرقة مقدراتها؛ بل كانت مسألة الحرية واحترام البشر والسعي للقمة العيش هي الدافع الرئيس لذلك الهروب.
ثم كانت سنة الله التي لا تحابي أحدًا؛ فقد شاء الله أن يكون المعسكر الاشتراكي أول الفريقين سقوطًا وأن تخرج أمريكا من ذلك الصراع قوة متفردة ومهيمنة في الساحة الدولية، وما من قوة تخرج بهذا الشكل وهذا النصر وهي لا تحمل مبادئ أخلاقية ودينية تمنعها من الظلم والبطش، إلا وأخذها الغرور ورغبة إملاء الأوامر على غيرها.
وبدأت القوة الجديدة في تصفية الدول المارقة التي كانت ضمن المعسكر الاشتراكي السابق، وذلك بأساليب مختلفة من الحصار الاقتصادي بهدف التركيع، فمن خلق المشاكل الداخلية من ثورات وأزمات اجتماعية واقتصادية، إلى إغراء بمساعدات مختلفة إلى التهميش على الساحة الدولية. واستخدمت الإدارة مع المعاندين أساليب الترغيب والترهيب، وصولًا إلى الحرب المباشرة التي فاقت في كثير من صورها همجية البرابرة الذين غزوا العالم وتركوا المناطق التي غزوها بلقعا قفرًا، فهؤلاء على الأقل سلمت البيئة من بطشهم، أما حروب الولايات المتحدة فكانت دائمًا وبشكل منهجي تتعمد ترك آثار لا تمحى وتشويهات لا تزول... على البشر والحجر ولا تزال الأراضي والغابات الفيتنامية واليوغوسلافية والعراقية تنبض بالسموم القاتلة التي تنقل الأمراض السرطانية إلى ساكنيها، هذا إذا تناسينا ما حصل منها في اليابان والذي تشيب لذكره الولدان وتقشعر له الأبدان.
ومع مرور الزمن ترسخت قبضة الثور الأمريكي على العالم أكثر فأكثر واستبد بالقرار الدولي وخضعت له المنظمات والهيئات الدولية التي كان يغرقها بمساهماته المادية ويرهقها بضغوطاته السياسية، ومع نهاية التسعينات من القرن الماضي وبداية القرن الحالي كانت معظم الدول المارقة في وضع لا تحسد عليه، فما لم يتم إسقاطه أو احتلاله. صار في وضع اقتصادي منهار أو يتعرض لازمات اجتماعية وسياسية تهدده ليلًا نهارًا وتجعله يرجو التفاتة من العم سام تنقذه من الانهيار التام.
وهكذا ازداد الغرور الأمريكي وتحول إلى رغبة طاغية لإملاء الأوامر ولم يعد الثور الهائج يحتمل أي اعتراض أو استنكار لأوامره المقدسة، وكان عهد بوش الأب بداية الجنوح للقوة التي لا تنتظر أي حساب و"من أَمِنَ العقاب أساء الأدب"، ثم كان عهد كلينتون بداية الرعونة الزائدة بما حمله من ضرب لأهداف مدنية للفت النظر عن مشاكل داخلية وفضائح جنسية، ليختتم الهيجان الأمريكي ببوش الابن الذي أجمع المراقبون العالميون أنه من أغبى الرؤساء الأمريكيين وأكثرهم تهورًا إن لم يكن كذلك على الإطلاق.
ووفرت حوادث الحادي عشر من سبتمبر للرئيس"الغبي"ما كان يبغي من فرصة لإثبات بربريته الغير محدودة، وبدلًا من ضربات لنقاط ومراكز محددة في البلدان المشبوهة التي عرفها عهد كلينتون، صار الأسلوب الجديد يقضي بسحق الدولة المارقة بحجرها وبشرها وترك أكبر قدر ممكن من الخراب والدمار، وصارت الفلسفة الجديدة لاقتحام الدول"من ليس معنا فهو ضدنا"، وبدأت الاحتلالات المباشرة التي تعرف بداية لكنها مجهولة النهاية ودخلت شعوب بأكملها في نفق الاحتلال المظلم دون أي ضمانات أو وعود بتاريخ أوكيفية انتهاء الاحتلال.
ثم إن حلقة أخرى من الهيمنة بدأت في الفترة الأخيرة وتوجت عهد التكبر الأمريكي، حيث تخلت الإدارة الأمريكية عن الخيط الرفيع الذي كانت تستر به عورتها، وطرحت وراءها ما كانت تنادي به من مبادئ العولمة والانفتاح والحريات، وبدأت تبدي ضيقها وتبرمها بآخر حصون العالم العربي وهو العقيدة والتربية الدينية؛ فأخذت بالضغط على الدول الإسلامية لتغيير المناهج التربوية وإزالة ما قد يحمل على أنه يشجع على التطرف وإدخال المواد التي تشجع على القبول بالآخر والتسامح مع المختلف، ولم تكن هذه المبادئ العامة البراقة تعني في الواقع إلا القبول بوجود الكيان الصهيوني والتعامل والتعايش معه، مع ما يتطلبه ذلك من تجاهل مشاكل كبيرة مثل اللاجئين المنتشرين في كل بلاد الأرض وتناسي الذاكرة الطويلة من المآسي التي أوقعها الغاصبون في فلسطين.
و بدأت سلسلة طويلة من الضغوطات السياسية والاقتصادية على دول المنطقة لحملها على تغيير مناهجها بزعم أنها تشجع على التطرف والإرهاب، وفي هذه المعمعة ضاعت كل المبادئ الأمريكية البراقة والتي كانت تنادي بحرية الرأي والمعتقد وإفساح المجال أمام انتقال المبادئ والأفكار بحرية تامة، وهو ما كانت الإدارة الأمريكية تروج له خلال سنوات طويلة وتتذرع به للتدخل في شؤون الدول الأخرى.
ثم بدأت الضغوطات تأخذ شكلًا أخطر وأكبر لتمتد إلى بلاد لها عراقة في مجال الحريات، وكان للحملة العالمية التي قادتها القيادة الأمريكية ضد ما يسمى الإرهاب فعل مؤثر وقوي في حمل واجتراء دول مثل فرنسا على القيام بخطوات تهدف في نهايتها الى التضييق على الوجود الإسلامي، وتفكير دول أخرى في خطوات مماثلة الأمر الذي لا يبشر بالخير بالنسبة للوجود الإسلامي في أوروبا.