لو نظرنا إلى دور الاستعمار - ونقول الاستعمار حتى نتفاهم بالمصطلح الشائع - فالاستعمار أو المحتل أول هم من همومه أن يسلب المستعمَر أو المحتل شخصيته, وأن يشعره بالانهزام, وأن يتأكد من أنه تابع ذلول مهيأ للاستماع, فاللغة العربية التي هي لغة القرآن ولغة العبادة ولغة الشعائر ولغة العلماء ولغة التعامل مع التراث ولغة التاريخ ولغة الاتصال بالقيم ولغة إحياء معاني التميز, هذه اللغة بكل هذا الزخم تصنع إنسانًا عظيمًا يستعصي على الاحتواء.. إنسانًا له تميزه وله اعتزازه, والمستعمر لا يمكن أن يقوم ويبقى ويستمر في بلد فيه عزة, وعينه الأولى في الأساس على أن يسلبه عزته وكرامته وهويته, وقد أشرت من قبل إلى الكلمة التي قالها العقاد عن اللغة العربية:"الهوية الواقية", فعندما كُسرت الهوية الواقية في الجزائر استطاعوا أن يفرنجوا الجزائر ويحولوا بينها وبين لغتها العربية حتى استعصى على أهل الجزائر أنفسهم كيف يتفاهمون, وفعلوا هذا في المغرب وفعلوه في بلاد كثيرة. أما في بلادنا وبفضل الله كان للأزهر فضل كبير بعد الله تبارك وتعالى على حماية هذه اللغة, والمتدينون والدعاة المصلحون المنتصبون للدفاع عن الدعوة وعن الإسلام همهم الأساسي الدفاع عن هذه اللغة حتى يسلُس لهم أمر الدفاع وأمر الدعوة في المجالات كلها, إذن التآمر على اللغة من أول مخطط"وليام ويلكوكس"في مشروعه الاستعماري الذي دعا إلى تمصير اللغة, وتحويلها إلى اللغة العامية المصرية, ومحاولته المستميتة لكي يحول بين الناس وبين أصول اللغة العربية, والمؤسف أن كثيرين ممن عاصروه صدّقوه وظلوا أن هذا الثعلب الماكر يريد خيرًا للغة العربية وأهلها, حتى بعض العلماء والمتخصصين سقطوا في أحابيله, وقالوا: نبحث عن بديل للغة العربية, ومنهم من قال: نكتبها بالحروف اللاتينية, ومنهم من قال: نختار لغة وسطًا بين العامية والفصحى ونسميها"الفصحمية".
-وللأسف كان بعضهم من الرواد والمتخصصين في مجال اللغة العربية!!
نعم.. في الحقيقة أسماء خطيرة جدًا, يؤسفنا أن يكون رجل بقدر"طه حسين"يقع في مثل هذا الأمر, وإن كنت - للإنصاف - أعلم أن الرجل في أواخر أيامه رجع عن هذا ودافع عن العربية, وآخرون غيره ولا نريد أن نذكر أسماءً, لكن يكفي أن حافظ إبراهيم قام ردًا على هذه الهجمة, وقام غيره, ولأن اللغة تلامس الفطرة, وتلامس العزة, وتلامس الميل القلبي والحب, ولأنها القرآن ولأنها الحديث, كان الناس جميعًا مهيئين لأن ينفعلوا ضد مثل هذه الدعوة ويبطلوها ويوقفوها.
-كيف السبيل إذن للنهوض بهذه اللغة من كبوتها والمحافظة عليها؟!!
لكل لغة حراس عليها.. لكل لغة رجال يدافعون عنها, من رجالنا المخلصين ومن علمائنا الأفاضل الذين جاد بهم الزمان من لدن فجر العربية إلى يومنا هذا, فحافظ إبراهيم في خضم هذه الأزمة التي تحدث الزميل الفاضل عنها ألقى قصيدته المشهورة دفاعًا عن اللغة العربية وفي صدرها يقول:
رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي *** وناديت قومي فاحتسبت حياتي
رموني بعقم في الشباب وليتني *** عقمت فلم أجزع لقول عداتي
وَلَدْتُ وَلَمَّا لَمْ أَجِدْ لِعَرَائِسِي *** رِجَالًا وَأَكْفَاءً وَأَدْتُ بَنَاتِي
أنا البحر في أحشائه الدر كامن *** فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي
موقف حافظ إبراهيم موقف فريد, نحن نريد من حراس العربية وعلمائها الأفاضل أن يوجدوا على الساحة, وأن يظهر منهم المختفون وهم كثيرون وهم أفذاذ, يستطيعون أن يكتبوا, وفي أجهزة الإعلام أن ينادوا بأعلى أصواتهم: كيف ننهض بالعربية؟! وينبهون إلى مواطن العلة والداء, ينبغي أن يكون هذا الصوت موجودًا في كل نوافذ الإعلام صباح مساء, لأن الموقف يحتاج إلى ذلك والموقف خطير للغاية, وقد تابعنا في الفترة الأخيرة من يؤكدون في بحوث أن اللغة العربية - وبالذات بين الناشئة - مهددة تهديدًا خطيرًا أن تتوارى عن ألسنة أبنائنا إزاء هذا النشاط اللغوي الأجنبي الذي يستشري يومًا بعد يوم, وبمناسبة ذلك أقول: نحن لسنا ضد اللغة الإنجليزية, نحن في حاجة إليها, والعولمة تفرض علينا ذلك, ولكن ليس على حساب اللغة العربية ولا على حساب التربية الدينية, والتربية الدينية بالمناسبة ينبغي أن يكون لها مجموعها, وأن يضاف إلى المجموع العام للثانوية العامة, هذا أمر مهم للغاية. أيضًا مسألة التعريب للتعليم العلمي التطبيقي, التجربة موجودة في سوريا الشقيقة, ونجحت نجاحًا باهرًا, ففي كليات الطب والهندسة والحاسبات تدرس هذه المواد هناك باللغة العربية. وهناك أمر أود أن أنبه عليه وأن ينتبه الجميع له: ينبغي أن يكون مقرر اللغة العربية موجودًا بكل الكليات لكل طالب جنبًا إلى جنب بجانب التربية الدينية, اللغة العربية ينبغي أن يكون لها وجود واضح في كل مراحل التعليم.. هذه مسألة مهمة. وأضف إليها إن تكرمت علينا إخواننا في وسائل الإعلام, عليهم أن يعيدوا حساباتهم وأن يفسحوا الطريق فقط للقادرين على التحدث وإدارة الحوار وتقديم البرامج باللغة الفصيحة.. هذه المسألة لا تقبل المناقشة. إلى إخواننا كذلك في السلك الدبلوماسي لا تتحدثوا إلا بالفصحى في المؤتمرات العامة, افرضوها فرضًا أينما وليتم وجوهكم.. احرصوا على أن تجعلوها لغة عالمية بكل الوسائل الممكنة وتمسكوا بها, فهي جزء من شخصيتكم وهوية أمتكم التي نعتز بها جميعًا.. ينبغي أن نفيق, وأن نعود إليها, مخلصين لها, حريصين عليها, متمسكين بها؛ لأنها لغة الله يوم القيامة ولغة أهل الجنة في الآخرة.
-لعل هذه الندوة تكون خطوة على طريق الحفاظ على هويتنا المتمثلة في لغتنا العربية..
وفي الختام أتقدم بخالص الشكر إلى ضيفيّ الكريمين والعلمين اللغويين:
-الأستاذ الدكتور حمدي فتوح والي الحاصل على درجة الدكتوراه في الأدب العربي.
-والأستاذ الدكتور أبو الفتوح حسن عقل أستاذ الأدب والنقد بكلية التربية جامعة المنصورة.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
مسلمو تايلاند أسباب نكبتهم ووسائل نصرتهم
الدكتور رياض بن محمد المسيميري
تُعدُّ"تايلند"واحدة من دول العالم الثالث الاحتلالية، التي نال المسلمون من أذاها واضطهادها ما لم تلنهُ أقليات مسلمة في بقاعٍ عديدة في العالم، على أيد المحتل الأجنبي .
فقد ابتلعت هذه الدولةُ الوثنيةُ، ذاتُ الديانة البوذية الخبيثة ، كلّ الجنوب المسلم الذي كان مستقلًا حتى عام 1902م، أي قبيل المائة عام، حين قامت بريطانيا الصليبية باحتلال دولة فطاني"، ثم تسليمها غنيمةً باردة لتايلند، ذات الحدود اللصيقة بفطاني،"ثم إعلان دخولها في الحدود السياسية لمملكة تايلند بكل صفاقة وجه، و بتواطئ دولي إجرامي .
ومن الطبيعي أن تسعى تايلند الوثنية، في استعجال إلغاءِ هوية الشعب المسلم هناك ، والعمل على صهرهِ في المجتمع البوذي، وتنشأة الأجيال تنشاةً إباحية، مع محاولة تذويب ما تبقى من شعائر الإسلام لدى الشعب الفطاني المسلم، الذي لم يكن يحتفظ أساسًا من الإسلام إلّا ببعض الشعائر اليسيرة، التي غالبًا لا تتعدى نطاق الأحوال الشخصية، من زواجٍ أو طلاق، أو بعض العباداتِ من صلاةٍ أو صيام، لا تخلو في أحوالٍ كثيرة من البدع والخرافات .
وكان من أبرزِ خطوات المحتل الأجنبي، تكريس احتلالهِ وفرضه واقعًا لا يقبلُ التغيير ما يلي:
1-محاصرة القضية الإسلامية في الجنوب التايلندي إعلاميًا.