العدل هو الوجه الآخر للعلم"."
سنكتفي الآن بهاتين الروايتين عَلَّهما عبرتا عن"الهوية"في مجال المقاومة والبحث عن الذات الجمعية.. والتراث الروائي مليء بأمثلة أخرى لها وقفات غيرها.
انتخابات البوسنة.. المسلمون انتصروا في تحدي الهوية
د. حمزة زوبع **
الكبار قبل الصغار اندفعوا لمواجهة تحدي الهوية
وسط عاصفة من التصريحات الملتهبة التي حملت تهديدات مباشرة وغير مباشرة للبوسنيين لحملهم على انتخاب من لا يرغبون في انتخابه (وفق قواعد الديمقراطية الغربية الحديثة!) ، وإلا فسيُحرمون من التقدم والتطور واللحاق بركب الحضارة والمدنية، أو كما عبر أحد الصحفيين البوسنيين"اللحاق بآخر القطارات المتجهة إلى أوربا".. في هذا الجو المشحون برسائل ملغومة من الشرق ومن الغرب، من خافيير سولانا وبادي آشدون وروماني برودي وآري فليشر كان على البوسنيين أن يختاروا من اختارهم لهم الغرب، لكنهم أبوا أن ينصاعوا رغم صراحة ووقاحة التهديد، ورغم إدراكهم قوة وجبروت من يهددهم.
هنا يجب أن يثور السؤال المؤجل الذي يستحيي البعض من أن يطرحه في أماكن أخري من العالم.. هل يمكن للشعوب الصغيرة أو الضعيفة أن تقول لا، وأن تمضي في مخططاتها بعيدا عن رؤية القوى الدولية المؤثرة؟ وهل هذا يعدّ تحديا؟ أم أن التحدي هو أن تفرض القوى الأجنبية رؤيتها وأجندتها الخاصة على الشعوب بدلا من أن تساعد هذه الشعوب على تحقيق أجندتها الوطنية؟
هل في اختيار شعب لممثليه ونوابه تحدٍ لدول العالم؟ وهل هذا نقص في الخبرة وضعف في البصيرة كما يرى البعض؟ أم أن حسابات الشعوب مختلفة؟ كما أن مصادر القوة ليست بالضرورة حكرا على جانب واحد، كما أنها ليست محصورة في مصدر واحد، والأهم أن المصادر التي تبدو ضعيفة قد يكون لها الغلبة في نهاية المطاف، ويمكننا اعتبار ما حدث في البوسنة وباكستان والمغرب دليلا على أن الانكماش الذي حدث بعد 11 سبتمبر أعقبه تمدد قد لا يمكن السيطرة عليه لاحقا.
رسالة واضحة
في انتخابات البوسنة الأخيرة كانت الرسالة واضحة بحيث لا تخطئها العين المجردة، فالبوسنيون يعلمون أن عالم ما بعد 11 سبتمبر عالم مختلف بالكلية عن عالم ما قبل 11 سبتمبر، وهم يعلمون قبل غيرهم أن القوة الوحيدة في العالم متوغلة ومتنفذة في النسيج السياسي والإداري للبوسنة، وأن خيوط العمل السياسي التي غزلت في"دايتون"ما زالت في يد الصانع نفسه الذي يمكنه نقض الغزل إن شاء، وهم يعلمون أن أمريكا بإمكانها إحداث التغييرات التي تريدها بالطريقة التي تراها مناسبة لها، ومع ذلك كان قرارهم"لا"بالبنط العريض، لا ينطبق هذا القرار على المسلمين فحسب، بل امتد إلى الكروات والصرب كذلك.
ملامح التحدي
من زاوية التحدي التي خاضها البوسنيون يمكننا قراءة ملف الانتخابات البوسنية الأخيرة من خلال المؤشرات التالية:
-35 مرشحا للرئاسة الثلاثية (مطلوب ثلاثة فقط) أي بنسبة تصل إلى 12 ضعفا.
-7000 مرشح و57 حزبا يتنافسون على مقاعد البرلمان والمجالس النيابية لاتحاد المسلمين والكروات ولصرب البوسنة.
-إقبال ضعيف لأول مرة منذ"دايتون" (فقط 55% من الناخبين أدلوا بأصواتهم) .
-الشباب يتراجعون، والكبار يقبلون على صناديق الاقتراع.
-أول انتخابات بوسنية تُجرى بدون مراقبين دوليين.
-طيف من الأحزاب العرقية التي تحاول تجميل تاريخها المتعصب بزرع بعض الأشخاص المعتدلين في قوائمها الانتخابية.
-تحالفات الشيوعيين القدامى مع اليمينيين المسيحيين، ومن يطلق عليهم"المعتدلون"من المسلمين.
-دعم أوربي علني للحزب الديمقراطي الاشتراكي جاوز الخطوط الحمراء.
-قانون يلزم بضرورة أن تكون البرلمانات متعددة العرقيات، في الوقت الذي يخوض الحزب الصربي الديمقراطي الانتخابات وحده فيما يعرف بجمهورية صرب البوسنة.
-المفوضية العليا تعترض على بعض المرشحين الأقوياء من حزب العمل الديمقراطي!
والنتيجة
كما كان الحال في انتخابات 1990 قبيل اندلاع الحرب مباشرة، تحقق فوز للأحزاب القومية جعل البعض يخشى اندلاع حرب جديدة كما اندلعت في التسعينيات. لكن"بادي آشدون"المفوض الدولي للبوسنة قلل من ذلك بالقول:"إنها كانت تعبيرا عن الغضب الشعبي لإخفاقات الحكومة الحالية". وبالطبع فهو يحاول أن يقفز على جزئية مهمة للغاية، وهي التحدي الذي أبداه البوسنيون لمحاولات الغرب فرض خريطة سياسية بعينها.
المفاجأة جاءت عبر السقوط المدوي للحزب الاشتراكي الديمقراطي في البوسنة أمام حزب العمل الديمقراطي الذي أسسه علي عزت بيجوفيتش الذي حوصر حصارا سياسيا لم يُشهد له مثيل، حتى إن وكالات الأنباء الغربية التي غطت الحملات الانتخابية كانت تركز فقط على هتافات المؤيدين"الله أكبر"، وتعتبرها ردة إلى الخلف ورجعية.
ولعل أسوأ ما أفرزته الانتخابات الأخيرة هو كيف أن الغرب الذي يُفترض فيه أن يحارب الفساد والمفسدين وقف وبقوة إلى جانب المرشح البوسني"زالاتكو لاجومزيديا"الذي اشتهر بالفساد، وعيّرته الصحف الأوربية واتهمته بإطلاق يده في السلطة، وبتهديده للصحفيين المناوئين له. وبدلا من أن يكشف الغرب عن فساد زالاتكو قبل الانتخابات (دفاعا عن الحرية والديمقراطية والشفافية) راح يخوّف البوسنيين من عودة الأحزاب القومية (الإسلامية) ، وبدأ حملة ترويج لزالاتكو (المفسد حسب شهادة الغرب نفسه) !
ولكن هل ستفرز الانتخابات عودة إلى الماضي وزمن القتل بسبب الهوية؟
لا شك أن هناك تخوفات كثيرة، لكن هذه التخوفات ليس مصدرها الحرص على البوسنة ووحدتها بقدر ما هي محاولة لوصم أي عودة بوسنية للجذور عبر صناديق الانتخابات بأنها ردة للخلف، وكأنه يتعين على مسلمي البوسنة أن يختاروا الأحزاب التي يدعمها الغرب، ويتخلوا عن دعمهم للحزب الذي صمد بهم في وجه الموت، أو أن يوصموا بأنهم رجعيون أو متخلفون، أو أنهم لا يدركون حقيقة الأوضاع، أو أن يتم تضخيم الصورة بحيث يهرب كل من رغب في العودة، ويفرّ كل من يفكر في الاستثمار، والسبب أن الحكومة المقبلة هي حكومة"قومية"أو متشددة دينيا.
ويبدو أن محاولة الغرب قد فشلت وأنه لم يعد أمامه من بد سوى الاعتراف بالخسارة، وأن يتخلى عن التصريحات النارية، وأن يبدأ العمل الواقعي على أرض البوسنة، كما قال بادي آشدون:"الوقت ليس في صالحنا، يجب العمل على تشكيل حكومة تعمل لصالح الشعب".
الخلاصة
رغم أن البوسنيين قد عاشوا تجربة الانتخابات لأربع مرات، فإن المرة الأخيرة جاءت على نحو يدفع المرء إلى التفكير مرات في هذه الظاهرة الإسلامية في البلقان، وخصوصا في البوسنة، فرغم محاولات الاختراق، والتهديد، والسجن، والإبعاد، ورغم الحشد السياسي الغربي خلف مرشحين عُرفوا بأنهم موالون للغرب، ورغم أحداث 11 سبتمبر وما بعدها، فإن الانتخابات أفرزت واقعا جديدا، وأعطت نتيجة، ووجهت رسالة:
الواقع الجديد:
البوسنة كيانات وليست كيانا واحدا، وكل كيان له هوية، والمسلمون يعلمون أن الهدف كان وسيبقى القضاء على هويتهم، لكنهم منتبهون.
النتيجة:
أن الجذور الإسلامية ما زالت حية وقوية ومؤثرة في الواقع.
الرسالة:
ليس معنى الانحناء الاختفاء، وليس معنى النوم الموت، وليس معنى القوة الهيمنة، وليس معنى الضعف الزوال.
تركيا بين خيار الهوية الإسلامية والذوبان الأوروبي ... ...
أحمد محمود عجاج