فهرس الكتاب

الصفحة 684 من 719

ووصول مقولات العداء للعرب داخل العالم العربي لا تصلح لمواجهته آليات الصراع والاستبعاد بل الحوار والتعاون على أرضية الحفاظ الذي لا مواربة فيه على حقوق الإنسان وقبول التعددية، فبناء سودان تعددي ليس فقط المخرج الوحيد من الأزمة بل الجسر الذي يمكن العبور عليه لتقويض مملكة يهوذا الأفريقية بالآليات نفسها التي بنيت بها. والصراع هنا صراع مركب ممتد تمثل السياسة وجها واحدا له بل تمثله ثمرته، وبدلا من التصلب السياسي الذي يعتبره البعض صمودا في معركة فاصلة نحن أحوج ما نكون لمرونة سياسية شديدة تترافق مع رؤية شاملة ثقافية سياسية لمواجهة الأفكار والبنى التنظيمية وشبكة المصالح التي شيدها الكيان الصهيوني لتكون قاعدة للتشكيل القومي الناهض، والعمل لبناء واقع بديل.

وإذا كان الصهاينة قد نجحوا في تحقيق اختراقات ونجاحات كبيرة فينبغي ألا ننسى في المقابل أنهم قد منوا بخسارة تاريخية في الميدان نفسه بزوال نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا الذي كان أحد أهم مرتكزات المشروع الصهيوني في أفريقيا بل أهم مرتكزاته على الإطلاق.

بقي أن نشير إلى أن"الحركة الأفريقانية"-رغم أهميتها الشديدة- لا يكاد يوجد كتاب واحد بالعربية يتتبعها. وهو ما يؤكد استمرار تصدر ظاهرة الغفلة للمشهد العربي الراهن. وقد جاءت أزمة دار فور لتفجر عدد من قضاياه الملغومة وعلى رأسها إعادة طرح قضيتي الأقليات و"التخوم" (تركيا - إيران - القرن الأفريقي...) وضرورة بناء جسور تعاون حقيقية معها كجزء رئيس من أي تصور لأمننا القومي.

"الهوية".. البحث الدائم عن الخلاص!

د. السيد نجم

إن الوعي المُشِفّ بين طيات العمل الأدبي عمومًا، ليس إلا وعي الأديب ذاته، ولا يجب أن تكون مقولات الأديب فعلًا مقحمًا على خصوصية العمل الأدبي؛ لذلك يُعَدُّ أدب المقاومة هو شكل الحوار الإنساني المبدع المعبر عن الصراع بين الواقع والمثال أو العقلي والتنظيري المرجو.. بهدف إعلاء شأن الواقع عَلَّه يقترب من المثالي. وتُعَدُّ المقاومة رد الفعل في حالة توافر عنصر"الوعي"بالذات والآخر مع توافر عنصر الرغبة في التجاوز والإنجاز.

وفى قضية"الهوية"يلزم الإشارة إلى مصطلحي"الانتماء"و"الالتزام"مع توجه سياسي واعٍ في إطار ثقافي عام يعي الحضارة الإنسانية وكينونة الذات وخصوصيتها، إلا أن السؤال عن الهوية يُعَبِّر ضمنًا عن الخوف من الغياب في مواجهة"الآخر"خصوصًا خلال فترات التحول في حياة الشعوب.. لكن السؤال نفسه يحمل قدرًا من الطموح والرغبة في التحقق.

أما عن مصطلحي"الانتماء"و"الالتزام"، فقد شاعا في القرن العشرين، حيث لعبت المذاهب الفكرية دورًا في توجيه الأدب، فشيوع الواقعية صاحب الدعوة إلى الانتماء (الذي هو الانتساب إلى الواقع لكونه جزءًا من الإنسانية) مع الدعوة بالالتزام بوجهة نظر أو موقف معين.

كما أنه في معجم"لاروس": الالتزام هو المشاركة في القضايا السياسية والاجتماعية، والملتزم هو الذي يتخذ موقفًا في النزاعات المختلفة معبرًا عن طبقة أو حزب أو نزعة.

وفي الفكر الوجودي للانتماء والالتزام أهمية خاصة، حتى جاء"جان بول سارتر"وقال:

"إن الإنسان مصدر الوجود، فهو الذي يعطى للأشياء معناها، ولا قيمة لأي شيء غير ذات الإنسان؛ لذلك يُعَدُّ حُرًّا.. عليه فالأديب ملتزم إذا ما اختار مهنة الكشف عن سر الإنسان والعمل على كشف ما يراه معيبًا، وهو بنفس الدرجة يُعَدُّ مسئولًا".

لقد بدأ القرن العشرون والعالم العربي يبحث عن ذاته (هويته) في مواجهة الآخر المحتل.. والطريف أن ينتهي القرن ونحن في بداية قرن جديد.. وما زالت القضية (الهوية) محل سؤال، فإن كانت القضية في البداية تبحث عن الخلاص من المستعمر، فإنها الآن تبحث عن الخلاص الثقافي والفكري في ظل ثورتي الاتصال والمعلومات، وهو ما يطلق عليه بالغزو الثقافي والهيمنة الإعلامية، وقد أثارت المخاوف بالتالي: (التعرض لفقدان الهوية العربية والإسلامية حالة من الاغتراب قد تصيب الصغار والشباب، والتأثير على بعض الثوابت الثقافية بالمنطقة العربية.. وغيرها) .

ربما تجدر الإشارة إلى بعض الملامح الفكرية في بدايات القرن العشرين، ولتكن تلك المناظرة الفكرية التي دارت بين الشيخ"محمد عبده"والكاتب"فرح أنطون"، حيث كان البحث عن الهوية متمثلًا في فكرة أصول الدولة المدنية.

فقد قال الشيخ بضرورة توافر النظر العقلي لتحصيل الإيمان، والبعد عن التكفير، والاعتبار لسنن الله في الخلق مع عدم إعطاء السلطة للشيوخ وإبقاء مدنيين عليها.

أما فرح أنطون فقال بأن غرض الحكومة المدنية حفظ الأمن بين الناس وحفظ الحرية ضمن دائرة الدستور، والمساواة بين الناس بقطع النظر عن مذاهبهم ومعتقداتهم، وأن للسلطة الدينية اختصاصاتها المحددة.. مع النظر إلى أن العقل البشرى مطبوع على الاختلاف والكون مطبوع على التنوع.

والآن جاء دور الرواية.. الطريف أن فن الرواية لم يكن بالفن الراسخ بعد خلال بدايات القرن العشرين، ويمكن التأكيد بثقة الآن أن هذا الفن ولد وترعرع ورسخ تحت إلحاح الحاجة إلى التعبير الإنساني عن تلك القضايا الفكرية التي راجت في ذلك الحين، وكانت هناك العديد من المحاولات في النصف الثاني من القرن التاسع عشر للتعرف على فن الرواية الذي بدأ بالترجمة ثم المحاكاة الكاملة وغيرها من المحاولات.

إلا أن الراصد لتلك الفترة وما كتب حقيقة في هذا الفن، لا يجد إلا قضية الهوية والبحث عن الذات هي الأصل وهي الدافع الحقيقي وراء روايات كتبت بالفعل (بغض النظر عن البعد التقني والفني الذي وصلت إليه الرواية فيما بعد) .

فقد استخدمت الرواية كسلاح له دوره، وهو ما قام به"فرح أنطون"نفسه بعد كل المناظرات الشاقة التي مارسها أمام الشيخ"محمد عبده".. فنشر رواية"الدين والعلم والمال"عام 1903م، ثم رواية"أورشليم الجديدة"عام 1904م ولعلهما من أولى الروايات التي كتبت في مجال المقاومة بإبراز أهمية الإصلاح والنقد الذاتي، والبحث في أثر الصراع بين ذوات"الأنا الجمعي"من الطوائف والفئات والطبقات داخل المجتمع الواحد، وبهدف البحث عن"الهوية".

* رواية"الدين والعلم والمال":

ارتكن الراوي على رموز محددة، حين وقف"حليم"على رأس ثلاث مدن"الدين"و"العلم"و"المال".. وقد غاب التسامح بينهم، فكان الصراع بينهم.

فشخصية"حليم"وهو شاعر فنان وكأن الفن في مقابل التعصب. أما صديقه"جميل"فله دوره المكمل.. وكلاهما يعبران أو يرمزان للحلم أو الصبر والجمال.. وكأنها القيم المطلوبة لتحقيق العدل.

أما شخصية"شيخ العلماء"وهو على رأس مدينة العلم.. فهو يرى بأهمية التسامح بين الناس مع نبذ التعصب. وتبرز الرواية أن العدو الحقيقي للعلم والدين معًا هو الأثرة والشراهة والرغبة في الانفكاك من كل قيد.

* رواية"أورشليم الجديدة":

تتبنى الرواية يوتوبيا"فرح أنطون"للفردوس الجديد على الأرض، فيقول على لسان أحد شخوصه:"إن إصلاح الأرض مسألة هامة، وإن أورشليم القديمة يجب أن تفسح مجالًا لأورشليم الجديدة".

لذلك يختم الرواية على لسان الراوي قائلًا:"ليس لنا الآن أمل (بعد الله) إلا فيك أيها العلم، ولا رجاء إلا في الطبيعة الإنسانية وهي الأقوى؛ لأنها الفاعل".

يقول د. جابر عصفور عن تلك الرواية:"إن أورشليم الجديدة هي الوطن العربي الذي لا بد أن تتآلف فيه الأديان والمعتقدات وتتجاوب على أساس من احترام حق الاختلاف، وأن"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت