فهرس الكتاب

الصفحة 683 من 719

ولنحقق هذا الهدف ينبغي أولا استيعاب الدرس الخطير الذي تنطوي عليه عملية تسويق"الهوية الجديدة"، والنجاح في دفع جماعات عديدة في أفريقيا لاتخاذ موقف معاد للعرب كعرق والإسلام كدين، وهو أمر يكاد أن يتحول إلى نمط عام متكرر عند أسياسي أفورقي أو جون جارانج أو يوري موسيفيني. والحركة الأفريقانية حركة قومية متطرفة يتزعمها حاليا الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني وهو يرفع شعار"دولة مصد في جنوب السودان تواجه النزعة التوسعية الأصولية العربية". وقد كانت مثل هذه الدعوات تستقبل بقدر كبير من عدم الاهتمام غير أنها انتقلت -مثلا- إلى بربر المغرب الذين تظاهروا في مايو 2002 رافعين شعار طرد العرب من شمال أفريقيا، وللمرة الأولى في تاريخ المغرب الحديث يتوجه الملك إلى القوات المسلحة داعيا إياها إلى الحفاظ على وحدة البلاد.

وفي إطار مخطط طويل الأمد تم بناء ثقافة متكاملة معادية للعرب ورسمت لهم صورة نمطية ننقل بعضا من ملامحها من ورقة بحثية شديدة الأهمية عنوانها:"نحو رؤية إستراتيجية للعلاقات العربية الأفريقية"قدمها كويسي كوا براه (مدير مركز الدراسات المتقدمة في المجتمعات الأفريقية بكيب تاون جنوب أفريقيا) إلى اجتماع خبراء الاتحاد الأفريقي بشأن رؤية إستراتيجية جيوسياسية للعلاقات العربية الأفريقية (22 أيار 2004) .

وعلى خلفية الدور الكبير الذي لعبته الصهيونية غير اليهودية في دعم الحركة الصهيونية أدرك الصهاينة أهمية دور"القيم"و"الهوية"في اكتساب الأنصار والحلفاء للمشروع الصهيوني مقدرين الأثر الكبير لفكرة التشابه مع من يسعون للحصول على دعمهم وصياغة تصور قيمي يقنع المستهدفين بأن ثمة"قيما مشتركة"، ولنتذكر النجاح الكبير لفكرة القيم المشتركة المسيحية اليهودية.

وعلى هذا المنوال عمل الصهاينة في أفريقيا رغم أن الأفارقة وقت ميلاد الحركة الصهيونية لم يكن لهم أي وزن دولي يذكر بل كانت أفريقيا كلها مقسمة يبن القوى الاستعمارية الغربية. لكن الدافع المباشر آنذاك كان ما يسمى"مشروع أفريقيا"الذي كان في نظر بعض التيارات الصهيونية بديلا أكثر ملاءمة من فلسطين لإنشاء الدولة اليهودية.

وحسب الدكتور علي مزروعي فإن"مؤسس الصهيونية واصل التفكير في أفريقيا على أنها امتداد ممكن للكيان الصهيوني أكثر من كونها وطنًا لليهود، ولمّا كانت هناك أعداد كبيرة من اليهود الذين أرادوا الاستقرار معًا في مناطق يستطيعون فلاحتها بأنفسهم، ويسمونها وطنًا مشتركًا، فقد اعتبرت فلسطين مكانًا غير مناسب لكل اليهود الذين أرادوا الاستقرار معًا بهذه الطريقة".

وفي إطار حالة التأرجح التي انتهت بالتركيز على فلسطين احتفظت أفريقيا بأهمية خاصة بوصفها مركزا تبادليا أو احتياطيا للصهيونية، أي أن أفريقيا بقيت ذات أهمية خاصة في المشروع الصهيوني حتى بعد الاستقرار على فلسطين كاختيار نهائي. وانفرد التعامل الصهيوني مع أفريقيا بدرجة عالية من الخصوصية وبخاصة في إطار عملية بناء روابط أيدلوجية تربطها بالحركة الصهيونية، ووقع الاختيار على"حركة الجامعة الأفريقية" (ومن رحمها ولدت الحركة الأفريقانية) لتتم عملية توأمة بينها وبين الصهيونية. وتظهر عملية التوأمة هذه في صياغة أساطير ترسخ مقولة التماثل بينهما، كالقول بخضوع كل من اليهود والأفارقة (الزنوج) لاضطهاد مشترك، وأنهما من ضحايا التمييز العنصري، وبينهما بالتالي تفاهم متبادل، وإضفاء مسحة صهيونية على حركة الجامعة الأفريقية، وقد أطلق عليها"الصهيونية السوداء"، وأطلق على أحد زعمائها"النبي موسى الأسود".

في مواجهة الزنوجة

وبعد الحرب العالمية الثانية أدرك الصهاينة أهمية احتواء القيادات الوطنية والمثقفة في أفريقيا مع حركة التحرر فاقتربت من نكروما ونيريري وسنغور وكان وزنهم في حركة التحرر الأفريقية ضروريًّا لتحجيم صلة هذه الحركة بالعالم العربي. وبلغت الآثار لهذه الجهود المنظمة حد العداء السافر في بعض المناطق، ففي مايو 1982 قدم مائة وستة نواب بالبرلمان الفيدرالي النيجيري مذكرة يطالبون فيها الدول الأفريقية ومعها نيجيريا بإعادة العلاقات الدبلوماسية الطبيعية مع الكيان الصهيوني على أساس أن مصالح أفريقيا السوداء ليست هي نفس مصالح الدول العربية وأن الأفريقانية تختلف عن العروبة.

وقد تحولت الأفكار إلى مشروع سياسي عبر مجموعة من الآليات، فالهجرة اليهودية الأفريقية إلى فلسطين، وبلغت ما نسبته 18% من مجموع السكان اليهود تقوم بدور"الجسر"ثقافيا وسياسيا واقتصاديا بين الكيان وأفريقيا، كما تعتمد الحركة الأفريقانية على شبكة تحالفات؛ ففي جنوب السودان هناك جماعة الدنكا التي تنشر ثقافة الكراهية بين العرب والأفارقة، كما أبقى الكيان على تعاون وثيق مع جماعة الأمهرا الحاكمة في إثيوبيا مستغلا البعد الأيديولوجي فلدى هذه الجماعة مزاعم بالانتماء إلى"الأسرة السليمانية"، وقياداتها يسمون أنفسهم"زعماء إسرائيل".

وفي نيجيريا قامت إسرائيل بمساعدة جماعة الأيبو في الإقليم الشرقي لمواجهة الإقليم الشمالي، ويضم أغلبية مسلمة حتى وصل الأمر إلى حد إعلان استقلال الإقليم الشرقي تحت اسم جمهورية بيافرا عام 1967، واعترفت بها إسرائيل بدعوى أن الأيبو قومية متميزة، كما أطلق الإعلام الصهيوني عليهم"يهود أفريقيا".

ورغم كل ما تملكه الحركة القومية الناهضة وما تتمتع به من دعم إقليمي ودولي فإن مواجهتها تظل ممكنة وبخاصة إذا استطعنا تحديد نقطة الضعف الرئيسية فيها؛ فصراعات المصالح دائما تحتاج إلى أفكار قادرة على اجتذاب الأنصار، وهنا يأتي دور"الفكرة". ونقطة الضعف التي نبحث عنها يشير إليها تاريخ الحركة نفسه، فخلال سبعة مؤتمرات عقدتها الحركة أولها عام 1900 في لندن، وآخرها في كمبالا عام 1994، ولدت فكرة وحدة المصير والهدف بين أفارقة القارة وأفارقة الشتات، وأثناء تطور حركة الجامعة الأفريقية بدأت تظهر فكرة"حركة الزنوجة"في المؤتمر الخامس لحركة الجامعة الأفريقية عام 1945، وفي مؤتمر الحركة السادس (1974) نادى أحمد سيكوتوري بإعلان النضال ضد فكرة الزنوجة التي تعرف الأفريقي بلون سحنته، وقال إن الزنوجة والعنصرية وجهان لعملة واحدة. وهنا مربط الفرس؛ فالحركة التي تشكل خطرا علينا ولدت مصابة بجرثومة فشلها إذا نجحنا نحن في تعرية حقيقتها أمام الرأي العام العالمي، لا من خلال التركيز على علاقتها بالكيان الصهيوني فلهذا المنطق تأثيره في الداخل فحسب، بل من خلال فضح الطبيعة العنصرية للفكرة.

الأفريقانية والعروبة والإسلام

قد يكون ملحًا التساؤل بعد عرض هذه الخلفيات الصادمة التساؤل بوضوح عن الإطار الأنسب للتعامل مع هذه الأزمة المرشحة للتصاعد، فمن البديهي أن من حق الأفارقة أن تكون لهم رؤيتهم القومية المغايرة، ومن طبائع الأشياء أن يسعى الكيان الصهيوني لاحتواء هذه الحركة القومية الناهضة، أما غير الطبيعي فهو أن نتصور أن الأفريقانية الناهضة"ينبغي"أن تكون حليفا للعروبة والإسلام. والحق لا ينتصر بذاته بل بحسن عرضه والدفاع عنه بل القتال عنه بآليات الثقافة والسياسة والإعلام ليكون التحالف الذي ما زال ممكنا بين العروبة والأفريقانية خيارا ينحاز إليه الأفارقة طواعية عبر قناعات مشتركة ومصالح متشابكة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت