البث المباشر والهوية الثقافية
أدبيات القضية ومحاولات التفسير
بقلم: د. نبيل السمالوطي
واجه العالم تطورًا علميًّا هائلًا منذ سنة 1971م يتمثل في توظيف الأقمار الصناعية في خدمة الإرسال التلفزيوني المباشر (1) ، دون حاجة إلى محطات أرضية.
وأصبح الإرسال يصل إلى المنازل مباشرة دون إمكان تدخل الأجهزة الرقابية في الدول، وأصبح هذا التطور يمثل إيجابيات وسلبيات تعاني منها الدول دون إمكان وقف البث أو السيطرة عليه، وقد استخدمت هذه القنوات من جانب دول الغرب، سواء من خلال قنواتها المباشرة، أو من خلال إنتاجها الذي يمثل حوالي 50% من الإنتاج الذي تبثه قنوات العالم الثالث في خدمة تسويق قيمهم وأساليب حياتهم وطرق التفكير والعلاقات السائدة في المجتمعات الغربية، هذا إلي جانب تسويق منتجاتهم الاقتصادية (2) ، والسيطرة على عقول أبناء المجتمعات النامية، وتحقيق ما يطلق عليه: الاختراق الإعلامي للدول، الذي هو مدخل لكل الاختراقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. إلخ.
أدبيات القضية:
ويشير استعراض التراث أو أدبيات الاتصال إلى تعدد الآراء والمنظومات والاستنتاجات والتحليلات، ونستطيع إيجاز أهمها فيما يلي:
أولًا: يرتبط البث المباشر وتزايد القنوات الفضائية بالتقدم الضخم الذي تم إنجازه في مجال تقنية الاتصالات الفضائية، وبخاصة فيما يتصل بتنامي قوة الأقمار الصناعية وصغر حجم الهوائيات ورخص ثمنها (3) .
ثانيًا: يصعب جدًّا ـ إن لم يكن مستحيلًا ـ السيطرة على هذا البث من خلال التشويش أو الإلغاء، فضلًا عن تكاليف ذلك التي لا تستطيع الدول النامية تحملها.
ثالثًا: هناك من يرى أن الدول الغربية تحاول توظيف البث المباشر لتحقيق الهيمنة الاتصالية Media Imperialism? وهي أحد أبعاد الهيمنة الثقافية التي هي بدورها أحد مظاهر أو مداخل الهيمنة الشاملة على الدول النامية، ويشار بشكل خاص إلى الإنتاج الإعلامي الأمريكي بوصفه هو الإنتاج الأكثر انتشارًا على مستوى العالم.
رابعًا: بذلت عدة محاولات خلال عقود الستينات والثمانينات لإيجاد حلول جادة لمشكلات اختلال نظام الاتصال الدولي، ومنها لجنة شون ماكبرايد (4) ، وقد باءت هذه المحاولات بالفشل، فبقي القوي قويًّا وازداد الضعيف ضعفًا.
خامسًا: هناك مواثيق واتفاقيات ومبادئ دولية صادرة في إطار الأمم المتحدة واليونسكو واتحادات الإذاعات الإقليمية تنظم استخدام الاتصالات الفضائية والتداول الحر للأخبار والمعلومات والبرامج، لها قوة ملزمة لجميع الدول، وهي في بعض جوانبها في غير صالح الدول النامية.
سادسًا: ساهم موقع الدول العربية الجغرافي في استقبال المشاهدين العديد من قنوات البث المباشر من آسيا وأوروبا وأمريكا والدول العربية الأخرى دون حاجة إلى هوائيات إضافية.
سابعًا: يذهب بعض الباحثين إلى رفض التفسير التآمري للبث المباشر، ويقولون: إن البث نتيجة منطقية وطبيعية للتقدم العلمي والتقني، ولابد من مواجهة إشكالياته من خلال التخطيط العلمي (5) ، وتخيل التآمر على الإسلام والمسلمين ليس في تطوير التقنيات ولكن في توظيف البرامج وما يتم بثه خلال القنوات.
ثامنًا: ينظر بعض الدارسين إلى البث المباشر بشكل إيجابي على أنه يسهم في إثراء المعرفة ونشر الثقافات، وتعزيز التفاهم والتقارب والتفاعل بين الشعوب والثقافات، وتوسيع نطاق التعليم والوعي، واحترام حقوق الإنسان في نشر المعلومات والأخبار والحصول عليها (3) ، في حين ينظر بعض الدارسين إلى هذا البث على أنه هيمنة ثقافية وتسلط على عقول العالم الثالث (6) ، أو على أنه إيدز العصر (7) ، وأنه أخطر تحدي للأمة المسلمة لا يقتصر على الاختراق السياسي بل يمتد إلى اختراق عقول الأمة (8) ، فالغرب يحاولون تفريغ شباب المسلمين من إمكاناتهم وقدراتهم وطاقاتهم من خلال المخدرات والجنس، وإهدار القيم والسلوكيات من خلال البث المباشر، وبعض الباحثين الغربيين (وبستر) يرى أن البث المباشر يؤدي إلى إشكالية قيمية تتمثل في سيطرة الدول ذات الأنظمة الاتصالية القوية والمتمرسة على الدول الجديدة الغضة (9) .
تاسعًا: يذهب بعض الباحثين إلى أن الخطورة والإسفاف تتمثل في بعض القنوات التجارية التي تتجه للتركيز على العنف والإثارة الجنسية والإباحية، مما يتصادم مع ثقافة الإسلام وثقافة العديد من دول العالم (3) .
عاشرًا: إذا كانت غالبية الدارسين الموضوعيين يرفضون التفسير التآمري للبث المباشر، فإنهم يؤكدون توظيفه من قبل الدول غير الإسلامية ـ وبخاصة الغربية ـ لهدم القيم الإسلامية لدى المشاهدين المسلمين، وتشارك في هذا قوى صهيونية ونصرانية واقتصادية.
حادي عشر: على الرغم من اتجاه دول أوروبا إلى التقارب السياسي والاقتصادي والإعلامي.. إلا أن كل دولة تبذل جهودًا كبيرة للحفاظ على هويتها الثقافية المتميزة، وتحاول الوقوف في مواجهة الغزو الثقافي القادم مع البث المباشر من دول أخرى في القارة نفسها أو من خارجها، هذا ما فعلته اليابان حفاظًا على ثقافتها وفكر وسلوكيات أبنائها (10) ، وهذا ما فعلته فرنسا وكندا اللتان ضاقتا بالغزو الثقافي الأمريكي في وسائل الاتصال (11) ، وإذا كان ذلك التخوف وتلك الإجراءات تتخذ من جانب دول ذات قوة اقتصادية وإعلامية، فالحاجة أشد في دولنا الإسلامية، وبخاصة وأن التأثير في هذه الحالة الأخيرة أحادي الاتجاه في غيبة التخطيط العلمي لتحديث الاتصالات الإسلامية.
ثاني عشر: تتمثل المشكلة في تعاظم تأثير التلفزيون في حياة البشر في كل مكان، لدرجة أطلق عليها بعض الدارسين مصطلح الإدمان التلفزيوني، ويقاس هذا الأثر بعدد ساعات المشاهدة اليومية بالنسبة للأطفال والشباب والنساء والرجال..إلخ، ففي دراسة أجريت في الولايات المتحدة واليابان والنمسا وكندا: أكدت أن الأطفال الذين تتراوح أعمارهم من 9-10 سنوات، يشاهدون التلفزيون بمتوسط 3 ساعات يوميًّا (12) ، ويشاهد الأكبر سنًّا عددًا أكبر من الساعات اليومية، وكما يشير بعض الدارسين: يقضي الطفل أمام التلفزيون وقتًا يماثل أو يزيد عن الوقت الذي يقضيه في الفصل الدراسي (15) ، وكشفت دراسة ريبيل ومونتويا 1981 التي أجريت على الطلاب بين 12-16 سنة لمعرفة أثر التلفزيون عليهم مقارنًا بأثر المناهج الدراسية عن: أن هؤلاء الطلبة يقضون 6.3 ساعة يوميًّا في المتوسط أمام التلفزيون غير ساعات البرامج التعليمية، وأنهم يفضلون محتويات التلفزيون التجاري على المناهج والبرامج التعليمية، وأنهم يحسون بالملل أمام البرامج التعليمية، ولا يحدث ذلك بالنسبة للبرامج التجارية (16) .
محاولات التفسير:
تعددت الآراء والرؤى حول قضية البث المباشر وانتشار البرامج والأفلام والمسلسلات الغربية بشكل عام والأمريكية بشكل خاص داخل الدول النامية والدول الإسلامية، سواء من خلال القنوات الفضائية الأجنبية، أو من خلال القنوات الوطنية، ولا يقتصر الأمر على انتشار هذه البرامج والمسلسلات والأفلام، وإنما هناك مصادر صناعة الأخبار وصياغة الأنباء وعرض المعلومات وصناعة الإعلانات.. إلخ، كل هذه المكونات الاتصالية المؤثرة في صياغة فكر الناس وقيمهم وتفضيلاتهم وأحكامهم وطموحاتهم وسلوكياتهم ومواقفهم.. كل هذه المكونات يتم صناعتها وصياغتها في بيوت الخبرة الغربية ومن خلال أحدث التقنيات العالمية التي تمتلك ناصيتها دول الغرب بعامة، والولايات المتحدة بشكل خاص (9) .