1-بناء الإنسان البناء المتكامل ليكون في حجم التحدي وتربيته على أخلاقيات عقائدية تمنحه المناعة الحضارية المطلوبة، ولعل أهم مرحلة في هذه التربية العمل على إشاعة وترسيخ القيم العقائدية والإيمانية؛ لأن بها وقف الجيل الأول من الأمة في وجه كل اختراق بل واستطاعوا من خلال ترسيخ المبادئ العامة الإبداع الحضاري الذي يكرم الإنسان كيفما كان نوعه ولونه وجنسه فبدون هذه الخطوة الأساسية ومع تفشي آفة القطيعة بين العقيدة والسلوك في حياة المسلم المعاصر لن يكون بإمكاننا الوقوف طويلًا في وجه الزيف الحضاري القادم، إنها التربية التي تمنحنا كذلك إمكانية الرؤية المستقبلية الحقة كما تمدنا بكل الشواهد لفهم طبيعة وحقيقة الصراع الغربي خاصة مع الصهيونية التي استفادت من الوطن العربي والنظام العالمي الجديد لتفرض نفسها على الأمة.
2-تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة التي أصابت ثقافتنا، مما أدى إلى انحراف الفرد والمجتمع، فالتوكل أصبح تواكلًا، والإيمان بالقدر أصبح عجزًا وقعودًا عن العمل، والزهد أصبح خمولًا وقعودًا عن العمل، والعبادة رهبنة وانقطاع عن الحياة، وذكر الله _سبحانه وتعالى_ أصبح تمتمات وهمهمات وأقوال بلا أفعال، كما يجب أن نوضح ونبرز المقاييس الثقافية الإسلامية الصحيحة وتفعيلها في الإنتاج الثقافي الذي يحمل مفاهيمها الحقيقية.
3-يجب على الأمة الإسلامية أن تسارع في الاستفادة من مكتسبات التكنولوجيا في وسائلها الإعلامية، خاصة الأقمار الصناعية والقنوات التلفزيونية واستعمالها في توعية وتثقيف الأطفال والشباب وحمايتهم من الوقوع في فلك الانحراف والضلال وحماية وجود الأمة الإسلامية وغيرها من خطر الغزو العلمي والتكنولوجي الجديد، وبخاصة أن الثقافة الإسلامية ثقافة عالمية، ورسالة الإسلام جاءت للبشرية جمعاء، كما أخبرنا بذلك القرآن الكريم قال تعالى:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (الحجرات:13) .
4-تجديد الخطاب الثقافي الإسلامي وتطويره، بحيث يلائم روح العصر مع ضرورة الحفاظ على أصالة الثقافة الإسلامية ومضمونها من أجل خدمة الهوية الإسلامية، ودعوة الناس إلى التعرف على حقيقة الدين الإسلامي من خلال القنوات الفضائية وشبكات الاتصال العالمية"الإنترنت"، وتيسير العمل الصحفي وسهولة الترجمة، حيث إن العالم اليوم يتغير بسرعة فائقة، وعلينا أن نطور أدواتنا ووسائلنا، وطريق تصدير ثقافتنا، إن التبليغ اليوم عبر تقنية الشبكات الإلكترونية والفضائيات يمثل أفضل وأسرع الطرق للتأثير قي عقول أجيالنا، وكذلك في عقول الآخرين، لا أن نكون مجرد مستهلكين لثقافة الغير ومعلوماته؛ لأن الاستهلاك الثقافي بدون أن نكون منتجين ثقافيًا يجعلنا نذوب في ثقافة الآخر ونفقد بالتالي الثقة في ثقافتنا ومبادئنا، وهذا ما يهدف إليه الآخر الغربي بكل تأكيد.
5-ضرورة وضع ضوابط وقيود وإشراف من قبل مختصين عند استخدام شبكة الإنترنت، وبخاصة فيما يتعلق بالبرامج الإباحية والمنافية لقيم وثقافة المجتمعات الإسلامية.
6-ينبغي إنشاء مراكز ثقافية إسلامية موحدة تهتم بدراسة قضايا العصر، سواء كانت ثقافية أم اجتماعية أم حضارية فور ظهورها ومن ثم متابعة تطورها ووضع التصور السليم للموقف الإسلامي إزاءها، وهذا يتطلب عقد الندوات العلمية والمؤتمرات الثقافية وإيجاد مراكز ثقافية موحدة، لا يعني إطلاقًا إلغاء التنوع والتعدد الثقافي، وإنما يعني السعي نحو تأسيس رؤية ثقافية كونية ناتجة عن التفاعل الإيجابي والحر بين مختلف مراكز الفكر والثقافة، فالتوحد ضمن حقيقة التعدد والاتفاق ضمن حقيقة التنوع .
7-الانفتاح على الثقافة الغربية والاستفادة من تطورها العلمي والتكنولوجي ينبغي أن يكون من خلال استراتيجية تضمن إيجابية هذا الانفتاح؛ لأن الانفتاح المذموم هو الذي أدى إلى ذوبان الشخصية الثقافية بسبب الانهيار والاغتراب عبر منافذ الاختراق والتغريب، والإسلام لا يمنع الانفتاح المحكم الرامي نحو الاستفادة من علوم الآخرين النافعة، قال _سبحانه وتعالى_:"قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا".
8-المشروع الحضاري الإسلامي لا يمكن أن يحقق تميزه الإسلامي، ومن ثم أداء دوره العالمي وفق منهج الله إلا إذا ركن إلى العلم الشرعي بمعناه الواسع وتم تأهيل العالم المسلم بحيث تكون دراسته لعلم الشريعة دراسة تأصيلية مرتبطة بالوقائع الحية التي تعيشها الأمة والعالم في هذا العصر.
العولمة وأثرها على الهوية [1/2]
د. خالد بن عبد الله القاسم 2/5/1427
-تعريف العولمة
-تعريف الهوية وأهميتها
-الآثار السلبية للعولمة على الهوية
* تعريف العولمة
العولمة كظاهرة بدأ انطلاقها في بداية هذا القرن الهجري في الثمانينات الميلادي وهي مرتبطة بثلاث أحداث كبرى سياسية،وتقنية، واقتصادية.
1-السياسية: حيث انتهاء المواجهة بين الشرق والغرب، وانهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك المعسكر الشرقي.
2-التقنية: وهي الثورة المعلوماتية، حيث شهدت هذه الفترة طفرة تقنية هائلة في مجال الاتصالات الإلكترونية وانتقال المعلومات، حيث ساهمت مساهمة فعالة في حدوث العولمة. .
3-الاقتصادية: وظهور منظمة التجارة العالمية عام 1995م، ومقرها جنيف لتخلف الاتفاقية العامة للتعريفة الجمركية (الجات) وكتتويج لانتشار مذهب التبادل الحر واقتصاد السوق الذي بات أيديولوجية تسيطر على العالم شرقه وغربه، وهو ما وافق عليه قادة العالم عام 1998م، أثناء مشاركتهم في الاحتفال بمرور 50 عامًا على الجات (1) ، وظهور الشركات متعددة الجنسيات.
لم توجد العولمة في السابق مع سيطرة أمم عسكريًا واقتصاديًا كالحضارة اليونانية والرومانية والإسلامية وبريطانيا ولكن في الوقت الحاضر اجتمع سيطرة القطب الواحد مع التقدم المذهل في الاتصالات والمواصلات ..
تختلف تعاريف العولمة بين المفكرين حيث يركز كثير من الكتاب على الجانب الاقتصادي وينبه على خطورتها من هذا الجانب بزيادة الفقر وتكدس الأموال وخدمة الشركات الكبيرة واضمحلال الصغرى أو إيجابيتها من انفتاح الأسواق وزوال الحواجز عن الأيدي العاملة، ومنهم من يبشر بها باعتبارها تحرر من الدول المغلقة وانطلاق نحو العالمية والتقدم.
ومنهم من يركز على الجانب الثقافي وأضراره، ومنهم من يأخذها بمفهومها الشامل، وهذا الاختلاف بسبب ذكر كل واحد جانبًا من الموضوع وهو يذكرنا بمثل الذين دخلوا على الفيل في غرفة مظلمة فكل منهم عرفه بما لمسه منه.
ومع اختلاف تعريفات العولمة إلا أنها تأخذ عدة ظواهر:
-التقدم الهائل في وسائل الاتصال، لا سيما ظهور الإنترنت والقنوات الفضائية.
-هيمنة الغرب لا سيما أمريكا وسقوط المعسكر الشرقي، وتأخذ هذه الهيمنة أبعادًا عسكرية واقتصادية وثقافية وسياسية.
-بروز المؤتمرات المؤسسات الدولية والشركات متعددة الجنسيات.