فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 719

خامسًا: لا شك أن العوامل الداخلية التي تحدث عنها أنصار نظرية الانتشار لها أهميتها الكبرى في تفسير هذه الظاهرة، ولا شك أيضًا أن البث المباشر له بعض إيجابياته المتصلة بالتفاهم بين الشعوب والاحتكاك الثقافي ونشر المعلومات ونشر العلوم والتقنية.. لكن سلبيات هذه الظاهرة (سيطرة الغرب على الاتصالات) تفوق بكثير هذه الإيجابيات، ومن هنا يثار التساؤل حول مدى إمكان الإبقاء على الإيجابيات والتخطيط لتجنب السلبيات الخطيرة التي تحدثها هذه الظاهرة، أو بقول آخر: ما الحل أو الحلول المدروسة المخططة التي يجب أن تتبناها الدول الإسلامية والعربية للقضاء على سلبيات هذه الظاهرة؟ هذا ما يحتاج لدراسات أخرى قادمة ـ إن شاء الله تعالى ـ.

الهوامش:

(1) كرم شلبي: البث المباشر بالأقمار الصناعية، مجلة الدراسات الدبلوماسية العدد (5) ص135، 136، 137.

(2) عبد القادر ياسين: أجهزة الإعلام والغزو الثقافي، جريدة الرأي الأردنية العدد 6717.

(3) تقرير وتوصيات ندوة الإعلام العربي والبث المباشر، المجلة العربية للثقافة 1990م، ص180، 182.

(4) ماكبرايد وآخرون: أصوات متعددة وعالم واحد، ص303.

(5) زين العابدين الركابي: حديث منشور بمجلة (الحرس الوطني) ديسمبر 1991م.

(6) عواطف عبد الرحمن: قضايا التبعية الإعلامية والثقافية في العالم الثالث.

(7) مجدي الواعد: تحقيق عن إيدز العصر، البث المباشر: مجلة (منار الإسلام) إبريل 1994م، ص66.

(8) عبد الصبور مرزوق: بحث حول التحديات الفكرية، مجلة منار الإسلام، إبريل 1990م، ص60.

(9) وبستر: أضواء على عصر الأقمار الصناعية...، ترجمة فؤاد صندوق، مجلة الإذاعات العربية، العدد (5) ص39، 42، 49.

(10) محمد عبده يماني: التلفزيون العالمي ـ هل يؤدي إلى نمو الجريمة في العالم الإسلامي، مجلة الأمن والحياة العدد (104) .

(11) عبد الرحمن عسيري: البث المباشر، التحدي الجديد، ص12.

(12) شعبان أبو اليزيد شمسي: ضرورة الإعلام التربوي في ظل المتغيرات الاتصالية الحديثة، ص47، 15، 16.

(13) أندرجانز فرانك: تراكمية التبعية.

(14) والرشتاين: النسق العالمي الجديد.

(15) محمد نجيب الصرايرة: الهيمنة الاتصالية ص130- 135.

قضية الهوية.. صراع الهويات وحقيقته

بقلم: د. محمد يحيى

يُبْرِزُ المسلم ـ تحديدًا ـ هويته بأنه: مسلم، فإنه يواجه في المناخ الراهن من قبل التوجهات (اللادينية) بعدة طروحات مضادة، تبدأ بمواجهة الهوية الإسلامية بعدة هويات أخرى، وتنتهي برفض قضية الهوية والذاتية نفسها؛ باعتبارها تنتمي ـ في زعمهم ـ إلى عهد غابر من الفكر.

والهويات المضادة التي تطرح في مواجهة الهوية الإسلامية ورفضًا لها تتراوح بين الانتماء الجغرافي (إفريقي آسيوي، شرق أوسطي، بحر متوسطي، أوروبي) ، والانتماء العرقي (عربي، تركي، إيراني، زنجي، أبيض) ، والانتماء الزماني: إلى الحاضر (في دعاوى العصرية) ، وإلى الماضي في دعاوى (كالفرعونية، والفينيقية، والبابلية، والطورانية... وغيرها) ، وقبل كل شيء: الانتماء الثقافي (اللاديني) (كاتخاذ المذاهب الفلسفية والوضعية المختلفة ذات الأصل الغربي، مثل: الماركسية، والليبرالية، والعلمانية محكًّا للهوية) .

وفي الواقع تزدحم الساحة في البلاد الإسلامية والعربية بدعوات إلى هويات مضادة للهوية الإسلامية، تتخذ شتى الأشكال والمظاهر نفسها، لكنها تتفنن في أنها تزعم لنفسها الأولوية على الهوية الإسلامية، إن لم تنفها وتلغها كلية، وعلى هذا المستوى تزعم هذه الدعوات لنفسها أنها: هي الأصل الذي يسبق الإسلام في الزمان والمكان واللغة والثقافة، والذي يتسع لجوانب شاملة من الخبرة الإنسانية يضيق عنها الإسلام، وبجانب مزاعم الأسبقية في الأصل والسعة في الانطباق توجد مزاعم بأن الهوية الإسلامية هي هوية طفيلية مفروضة على هويات أصلية، وأنها ـ على أفضل الأحوال ـ لا تعدو أن تكون هوية ثانوية هامشية لها مجال محدود جدًّا تنطبق فيه، وهو مجال لا يتعدى ما يسمى بعلاقة الفرد بربه.

إن قسمًا كبيرًا من الصراع والمحاجّة الفكرية الدائرين الآن على الساحة العربية الإسلامية يدور حول محور القضية التي نحن بصددها؛ حيث تتخذ التيارات المضادة للإسلام من الهويات المضادة سلاحًا تحارب به الهوية والذاتية الإسلامية؛ وأصبح من المألوف الآن أن يسمع المرء صيحات من نوعية (إننا مصريون، أو عرب، أو أوروبيون.. قبل أن نكون مسلمين) أو (الديموقراطية، والاشتراكية، والحرية، قبل الإسلام) أو (نعم للحضارة العالمية، ولا للانغلاق الإسلامي) !.

وكل هذه التطورات مألوفة على مر السنوات أو حتى العقود الماضية، لكن الجديد في الأمر ـ في الفترة القريبة ـ هو نفي قضية الهوية عندما تطرح من الوجهة الإسلامية في مواجهة الطروحات المتغربة العلمانية، والحجة التي تتكرر كثيرًا في كتابات من يطلق عليهم الآن ممثلو النخبة الثقافية والفكرية العربية هي: أن قضية الهوية والذاتية والانتماء الديني قد أصبحت جزءًا من ماضٍ بائد، وأن التمسك بهذه المفاهيم والتأكيد عليها لا محل ولا معنى له في عالم تسيطر عليه مفاهيم العالمية الثقافية والاندماج الدولي والتعددية الثقافية والحضارية والتقرب من (الآخر) واحترامه.

وفي إطار هذه المفاهيم يصبح الحديث عن الهوية والذاتية (لاسيما الإسلامية) : نوعًا من الأنانية والتقوقع والعزلة، بل وضربًا من التخلف المتعمد عن مواكبة العصر، ونوعًا من إعلان الحرب العدوانية غير المبررة على (العالم) .

والواقع: أن هذه الصيحات لا تسمع إلا عندما يرفع شعار الهوية الإسلامية وحده، ولكن عندما ترفع الدعوة إلى تأكيد هويات أخرى دينية وعرقية وثقافية: فإننا نسمع صيحات الترحيب والتحبيذ والدفاع؛ فعندما يتحدث بعضهم عن هوية مسيحية أصلية لبعض الأقليات في بلدان عربية، أو عن هوية عرقية لزنوج في بعض البلدان العربية الإفريقية: نجد أصوات النخب العلمانية نفسها التي تهاجم شعار الهوية الإسلامية بضراوة تدافع بالضراوة نفسها عن تلك الهويات الأخرى حتى المستندة منها إلى مزاعم دينية غير إسلامية، والغريب أن الهجوم في الحالة الأولى والدفاع في الحالة الثانية يجريان وفق حجة واحدة، هي مثلًا: مناصرة حقوق الإنسان؛ فرفع لواء الهوية الإسلامية في البلدان ذات الغالبية المسلمة يوصف عند أهل النخبة العلمانية بأنه انتهاك لحقوق غير المسلمين وافتئات عليها، أما رفع شعار الهويات المسيحية أو البهائية أو الآشورية أو الزنجية... إلى آخره، فيوصف بأنه تحقيق وتجسيد لمبادئ حقوق الإنسان، حتى وإن صاحبته دعاوى انفصالية أو لجوء إلى العنف والإرهاب. فلماذا التناقض؟!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت