فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 719

تأثرت بمحمد فريد أبو حديد لأنه شقيق والدتي (ولكن ليس هذا هو السبب) ، لقد كنت مطلعة على كتبه منذ طفولتي، وفيما بعد قرأته بين أقرانه ومعاصريه فوجدته يتميز عليهم جميعًا بإنتاج غزير، وبأسلوب رشيق متبلور متميز، لقد كان أسلوبه أرشق أسلوب في عصره، أرشق من حسين هيكل، وتيمور، وطه حسين، والعقاد، والمازني، وكان أجمل أساليبهم على الإطلاق، وقد صقلت أسلوبي ومهاراتي الكتابية من خلال قراءاتي المتأنية المستفيضة لأدب محمد فريد أبو حديد، علاوة على أنه في جيله وفي عصره رائد الرواية العربية المعاصرة، وهو صاحب 14 رواية في الوقت الذي كان كل من هيكل وتوفيق الحكيم وطه حسين والمازني وغيرهم له رواية أو اثنتين، أما مسألة الشهرة فهي عندنا حظوظ للأسف الشديد، كما تأثرت في كبري بالأديب الكبير فتحي رضوان.

أما سيد قطب فكان أعمق الجميع، لقد عاش في أمريكا، واطلع على فكر وثقافة المجتمع الغربي، وكان فكر سيد قطب مستنيرًا متطورًا سابقًا لكل أقرانه، الجديد فيه أنه اطلع على الحضارة الغربية تمامًا، وعرف أن فيها جوانب إيجابية، لكن في الوقت نفسه له عين نقدية، وله إدراك وتعمق في الحضارة الإسلامية، فاستطاع أن يقدم صورة متكاملة لفهم المسلمين المعاصرين.

وحينما قرأت له شعرت أن هذا الرجال يخاطبني بشكل خاص، واللذين يصفون كتاباته بأنها تدعو إلى العنف والانعزال لم يفهموه، سيد قطب يخاطبني بشكل محترم، يحترم عقلي ونفسي وتجربتي المعاصرة، ويتحدث بشفافية ورقى وعمق أثر فيّ، وأقنعني وأعاد صياغتي بشكل كان مرضيًا لي جدًا.

* كيف كان تحول فكر صافي ناز كاظم إلى الإسلام؟ وهل كانت الرحلة لأمريكا عاملًا مهمًا في هذا التحول؟

** أنا لم أتحول إلى الإسلام، وإنما تطورت فكريًا لانعطاف أكثر نحو الالتزام الإسلامي، لكنني دائمًا كنت مسلمة لأنني من أسرة مثقفة، والإسلام ركن أساسي في البيت الذي نشأت فيه، لكن في شبابي لأني وجدت في مرحلة كانت لفحة التغريب شديدة جدًا في الخمسينات والستينات كنا لابد أن نطلع على الأدب العالمي، وهذا في حد ذاته ليس خطأ كان لا بد أن نقرأ الأدب العالمي فنشتاق إلى تراثنا، ومن حصيلة الرصيد الغربي العالمي والرصيد الإسلامي والتراث ينزل المطر الخصب الذي يؤدي إلى ثمار جيدة جدًا.

وهذا التطور لم يأت فجأة، فرحلتي لأمريكا جعلتني أدرك أن تراثهم وجذورهم وهي الفكر الإغريقي والحضارة الإغريقية، وعندهم مادة اسمها (الحضارة الغربية) التي ركيزتها الفكر الإغريقي، والحضارة الإغريقية، فقلت لنفسي لكني لم آت من هنا، وتساءلت في نفسي: فمن أين أتيت إذن؟ فهذا أدى بي إلى أنني لا بد أن أعود لأقرأ تراثي العربي الإسلامي، وأول ما عرفت سيد قطب عرفته في أمريكا، فقرأت كتابه العدالة الاجتماعية في الإسلام باللغة الإنجليزية، ومكثت في أمريكا من عام 1960 حتى عام 1966م.

* هل كان برنامجك من زيارة أمريكا هو إعداد رسالة الماجستير في المسرح؟

** كان البرنامج أن أتجول وأجوب العالم كله، وبالمصادفة حصلت على الماجستير في النقد المسرحي من جامعة نيويورك، لكن هدفي كان الترحال ومعرفة الحضارات، كنت أحاول أن أطور شخصيتي من خلال الترحال والاغتراب.

كنت هناك دائمًا أقرأ وأصوم، وكان ديني معي، لكن كان لا بد أن أقرأ أدبيات ديني، وشعرت أنني حينما أعود إلى مصر سأبحث عن ذلك، وقد عبرت عن ذلك في كتاب"رومانتيكات"في قطعة اسمها"جولستان"أو روضة الورد، وقلت إنني أخذت على نفسي العهد أني حينما أعود لا بد أن أعود للتراث اقرأه واقرأ أدبيات ديني، هذا غير الأدب العربي المعاصر الذي كنت ألم به جيدًا.

وقد عشت في ثلاث ولايات مختلفة هي (كانساس - شيكاغو - نيويورك) فاطلعت على ثقافة الغرب بأكمله، وعلى حضارتهم وفنونهم، ولا أنكر أني استمتعت، وطول هذه السنوات لم يكن عندي تليفزيون تمامًا، فلم أتكدر بسخافة التليفزيون الأمريكي لكن حضرت الأوبرا والمسرحيات ذات المستوى الإنساني الراقي (بمعاييرهم) لكن فيها قيم إسلامية، وحضرت معارض رسم، وتعاملت مع كافة الجنسيات، ولم أقابل مسلمين كثيرين.

* ألا تعتقدين أن هناك تشابهًا بين هذه الرحلة ورحلة سيد قطب الذي تأثرت به بعد ذلك؟

** نعم كان تشابهًا كبيرًا وهو ما جعلني أفهمه وأدرك مدى عمقه، ومن هنا كان تأثيره علىّ شديدًا جدًا.

* صافي ناز كاظم الناقدة المسرحية المتميزة ما رأيك في المسرح الآن في بلادنا؟

** المسرح حاليًا نتاج مجموعة ناس علمهم ضئيل، وموهبتهم ضئيلة، وحياؤهم مختف، فلك أن تتصور نتيجة لشخص بلا حياء، جاهل بلا موهبة، فالنتيجة فظاظة، قحة، قبح، بذاءة، في بعض الأحيان حينما تكون هناك موهبة كبيرة جدًا، ونفس إنسانية مصقولة؛ رغم اعتراضنا على الأدوات إسلاميًا لكن تأسرنا فنيًا، ونجد في أعماقها قيمة إسلامية يرضى عنها الإسلام مثل فن"بيتربروك"مثلًا وهو غير مسلم، وقد لا يكون مؤمنًا، وهو مخرج إنجليزي رأيت له عرض"ماراصاد"في الستينات، وهو عنده موهبة، وعنده نفس إنسانية حساسة جدًا متعاطفة مع الإنسان وبني آدم، فيعمل فن نتيجته يرضى عنها الإسلام، وإن كانت تفاصيلها لا يرضى عنها الإسلام، وكذلك المخرج الإيطالي"فلليني"نفس الشيء.

"انجمر برجمان"فنان سويدي كذلك، وهؤلاء رغم كفرهم إلا أن عندهم موهبة وعلم وأصالة إنسانية، لكن نجدهم في النهاية يخرجون قيمة إما تحتج على الظلم، أو تنحاز للعدل وللإنسان، وتعبر عن يأس الكافر فيتعظ المؤمن، المهم أنه يحاور عقلك، ويشغلك في قضية، لكن الذين عندنا لا شيء تمامًا.

http://www.islammemo.cc:المصدر

الانبهار بحضارة الغرب ذوبان للشخصية و فقدان للهوية

طارق حسن السقا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت