فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 719

إن سبب هذا التناقض الذي لا يكاد يلاحظه أحد في طروحات الفكر الثقافي اللاديني الراهن هو أن الرغبة الحقيقية التي تحرك هذا الفكر لا تكمن في إلغاء مفهوم الهوية ذاته ـ كما يزعمون الآن ـ لصالح مفاهيم العالمية والاندماج الحضاري، وإنما تكمن في إلغاء مفهوم الهوية الإسلامية وحده، وتأكيد سائر الهويات والذاتيات على حساب هذه الهوية الإسلامية، المطلوب الحقيقي كان ـ ولا يزال ـ إلغاء التمسك بالهوية الإسلامية وحدها، مع تأكيد الهويات الدينية والثقافية الأخرى المخالفة لها ورفعها في وجهها، لكن الذي حدث هو أن أصحاب الدعوة (اللادينية) الآن، وفي مواجهة الصحوة الإسلامية في بلدان عدة، لا يستطيعون طرح هذا الأمر بشكل مباشر وواضح؛ لذا: فقد لجؤوا ـ كحيلة في المحاججة ـ إلى نفي واستبعاد مفهوم الذاتية والهوية كله وفي حد ذاته، وذلك على المستوى الإعلامي الظاهري؛ حتى يخدعوا جمهور القراء والمتابعين من المسلمين بتصوير الأمر لهم: وكأن هذا المفهوم قد انتهت صلاحيته أو (موضته) على الساحة الفكرية، وأن السائد أو العصري الآن هو مفاهيم العالمية وتمازج وذوبان الحضارات والتفاعل مع الآخر ... إلى آخره، ولكن حينما يتصور المخدوعون أن قضية الهوية قد أصبحت بالفعل من التراث الغابر يأتي أهل النخبة اللادينية ـ ومن باب خلفي ـ بطروحات جديدة أو متسربلة بأقنعة مختلفة، تبرر تأكيد الهويات الدينية والثقافية غير الإسلامية، ويكتشف بعض المخدوعين أنه في الوقت الذي تتعالى فيه الأصوات بنبذ مفاهيم الهوية والذاتية الإسلامية وحدها، بحجة الاندماج في العالمية الثقافية والتعددية الحضارية، فإن الهويات (اللاإسلامية) ـ دينية كانت أم ثقافية ـ تطرح بشدة، وتجد (لادينيين) مستميتين في الدفاع عنها، ليس تحت شعار الذاتية والهوية وحده، ولكن (على سبيل التعمية) تحت شعارات حقوق الإنسان (التعددية والديموقراطية) ، وهي الشعارات نفسها التي يجري رفض الهوية الإسلامية بالاستناد إليها.

ويلاحظ المتتبع لمجريات الأمور أن هذه الخدعة العلمانية قد نجحت إلى حد كبير في دهاليز سياسات بعض المؤسسات الدينية في عالمنا الإسلامي، فالندوات والمؤتمرات يكثر عقدها هذه الأيام من جانب هذه المؤسسات والمرتبطين بها حول (الحوار الحضاري) و (تقارب الأديان) و (لقاء الثقافات) .. وغير ذلك، ويخفت في الوقت نفسه الحديث عند أهل هذه المؤسسات عن الهوية والذاتية الإسلامية؛ بحجة أن ترديد هذا الحديث أصبح ضربًا من التطرف والمغالاة والتعصب واحتقار مشاعر الغير، بل وتحقيرهم، ولكن بينما نجد من أصحاب الفكر الإسلامي (أو من يفترض أنهم كذلك) من ينساق وراء هذا التصور ويلفظ الحديث عن الهوية الإسلامية، نجد في المقابل ـ بل وفي المؤتمرات نفسها والتجمعات ذاتها ـ من يرفعون شعار الهويات والذاتيات المضادة أو المخالفة، بل ويتهمون المسلمين بأنهم إن تكلموا عن هويتهم فهم عدوانيون متسلطون.

إن الموضوع برمته لا يعدو أن يكون حيلة بارعة من حيل الحجاج الفكري، وأصحاب هذه الحيلة يرفعون في وجه المنادين بالهوية الإسلامية دعوة (تذويب (اختفاء الهويات الخاصة في الهوية العالمية الحضارية الجديدة(في زعمهم) ، التي تتشكل من تفاعل وتمازج وتغير الهويات الخاصة، ولكن عندما يقبل المرء على التعرف على هذه الهوية العالمية الجديدة يجد بالتحليل أنها ليست سوى الهويات الغربية المعروفة من دينية (مسيحية ـ يهودية) وثقافية (وثنية) وفكرية (علمانية المذاهب المتعددة) ، وقد ضخمت وحولت إلى (عالمية) تفرض وتطبق على الجميع.

إن الهوية العالمية الجديدة التي يقال إنها قد نسخت كل الهويات الخاصة (وبالتحديد الهوية الإسلامية) ليست في الواقع سوى هوية خاصة (غربية ـ علمانية ـ مسيحية) اتخذت لها قناع التمويه والتدليس لكي تفرض على الجميع وتبرر سحق الهوية الإسلامية التي ينكرون عليه الاتساع والشمولية، ويحولونها إلى مجرد (هوية خاصة) أو (ذاتية محدودة) ، ولكن هذا الموضوع يتصل بما يسمى (السياسات الثقافية) ، وله مجال آخر في البلاد الإسلامية والعربية.

هويتنا الإسلامية: بين التحديات والانطلاق

(الحلقة الأولى)

إعداد: وائل عبد الغني

ضيوف الندوة:

الدكتور/ مصطفى حلمي أستاذ العقيدة والفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة.

الدكتور/ جمال عبد الهادي أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة أم القرى سابقًا.

الدكتور الشيخ/ محمد بن إسماعيل المقدم الداعية المعروف وأخصائي الصحة النفسية وخريج كلية الشريعة بجامعة الأزهر الشريف.

الأستاذ/جمال سلطان - الكاتب الإسلامي المعروف ورئيس تحرير دورية (المنار الجديد) .

نرى أن أفضل ترحيب بضيوفنا الكرام، أن ننزل عليهم ضيوفًا، ليُثروا قراءنا في قضية من أخطر قضايا العصر؛ ألا وهي (الهويّة) ..

أهمية الموضوع..

* في البداية نريد أن نحدد الهدف من الندوة لنصطحبه خلال تشعب الحديث بنا.

* د/جمال عبد الهادي:

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.. وبعد..

فأرى أن الهدف هو: تذكير الأمة المسلمة بمقومات هويتها، وتبصيرها بالأخطار التي تحدق بها، وأنه لا مخرج للأمة من محنتها المعاصرة إلا باستعادتها لهذه الهوية؛ لأنها المخرج الوحيد لمواجهة التحديات المعاصرة، حتى تعود الأمة لأداء دورها، باعتبارها الأمة الشاهدة التي حملها الله ـ تعالى ـ مسؤولية البلاغ وإقامة حياتها وحياة الإنسانية على مقتضى منهاج الله.

وإذا اعتبرنا أن الهوية هي التي تحدد الأهداف والواجبات والتقاليد والأعراف للفرد والمجتمع، فإن الحفاظ عليها يصبح ضرورة وجود وأداء رسالة.

من أجل هذا كان لا بد من طرح هذه القضية.

معنى الهوية:

* جرت عادة الربانيين أنهم إذا تحدثوا عن قضية ربطوا فيها بين الواقع المشهود والحق المنشود حتى يكون الواقع حقًا والحق واقعًا، والحق صنو الحقيقة؛ فما حقيقة الهوية؟

نريد من ضيوفنا الكرام أن يوضحوا لنا معنى الهوية توضيحًا شافيًا.

* الشيخ محمد بن إسماعيل:

الهويّة: (هي حقيقة الشيء، أو الشخص، التي تميزه عن غيره، فهي ماهيته، وما يوصف ويعرف به، من صفات عقلية، وجسمية، وخلقية، ونفسية) ، كما في حديث أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب ـ رضي الله عنها ـ قالت: (كنت أحبّ ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قط مع ولدهما إلا أخذاني دونه، فلما قدم رسول الله لله المدينة، ونزل قباء، غدا عليه أبي وعمي مُغلّسين، فلما يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس، فأتيا كالّين ساقطين يمشيان الهوينا، فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما التفت إليّ واحد منهما مع ما بهما من الغم، وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي:(أهو هو؟) ، قال: (نعم والله) ، قال عمي: (أتعرفته وتثبته؟) ، قال: (نعم!) ، قال: (فما في نفسك منه؟) ، أجاب: (عداوته، والله ما بقيتُ! ) ) (1) ، وفي قوله: (أهو هو؟) إشارة إلى هوية النبي لله وأنه الموصوف في التوراة.

إذن فالهوية هي: (المفهوم الذي يكوّنه الفرد عن فكره وسلوكه اللذين يصدران عنه، من حيث مرجعهما الاعتقادي والاجتماعي) وبهذه الهوية يتميز الفرد ويكون له طابعه الخاص، فهي بعبارة أخرى: (تعريف الإنسان نفسه فكرًا وثقافةً وأسلوب حياة) .

كأن يقول مثلًا: (أنا مسلم) . أو يزيد: (منهجي الإسلام) أو يزيد الأمر دقة فيقول: (أنا مؤمن ملتزم بالإسلام من أهل السنة والجماعة) .

* د/ مصطفى حلمي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت