فادانة الإسلام والهجوم عليه في مسألة إباحة تعدد الزوجات لا يمكن تبريرهما اذا ما نظر إلي القضية علي انها مجرد علاج منقوص للشذوذ البيولوجي عند الرجال.. وهو افضل في نظر الأستاذ الطالبي لمعالجة الشذوذ من افساح المجال لتفشي ظاهرة إباحة الزنا (5) .
فقرار منع تعدد الزوجات قرار، في رأي الأستاذ الطالبي، تنقصه الرؤية ويفتقد إلي الموضوعية. فهو من ناحية متأثر في العمق بانبهار بورقيبة ورجال ونساء نظامه بالحضارة الغربية، وهو من ناحية ثانية، قرار لا يخلو من عدم التعاطف مع الإسلام وربما حتي العداء له. وهكذا فتشريع منع تعدد الزوجات فيه اكثر من رمز، وبالتعبير السيولوجي، هناك رمز ظاهر ورمز خفي. فالظاهر يرمز إلي الرفع من مكانة المرأة الاجتماعية والرمز الخفي يتمثل في ادانة الدين الإسلامي الذي يتخذ موقفًا مختلفا عن الغرب بخصوص مسألة إباحة تعدد الزوجات.
5 ــ اختار نظام الحكم في تونس منذ فجر الاستقلال يوم الأحد يوم العطلة الاسبوعية وجعل من الجمعة والسبت يومي عمل في الدوائر الحكومية وذلك حتي الساعة الواحدة ظهرا بالنسبة ليوم الجمعة والواحدة والنصف بالنسبة ليوم السبت. لقد ارتبطت ايام العطل بالهوية الدينية للافراد والجماعات في العديد من الثقافات والشعوب. فيوم الأحد هو يوم الراحة الاسبوعية للشعوب المتدينة بالديانة المسيحية. ففي هذا اليوم يذهب عدد اكبر من المسيحيين إلي الكنائس قصد التعبد والاستماع إلي خطب رجال الدين علي منابر تلك الكنائس . فيوم الأحد هو يوم الاله كما تعبر عن ذلك العبارة الفرنسية Le Jour du seigneur وبهذا الاعتبار فيوم الأحد علي المستويين الشعوري واللاشعوري يمثل عنصرا من العناصر المكونة للهوية الجماعية المسيحية. اما يوم الراحة الاسبوعية بالنسبة للشعب اليهودي فهو يوم السبت. فالسبت هو يوم العطلة الاسبوعية الرسمية في دولة اسرائيل. وان العديد من اليهود افراد وجماعات خارج اسرائيل يحترمون علي الاقل بعض الطقوس الدينية المقترنة بيوم السبت في الديانة اليهودية كالامتناع عن سياقة السيارات والخياطة بالنسبة للنساء اليهوديات والقيام بالتسوق والشراء. ويحضرني هنا مثال رواه لي زميل كندي ذو ديانة يهودية يبرز بكثير من الوضوح علاقة يوم السبت (اليوم المقدس عند اليهود) بالهوية اليهودية عند الفئات اليهودية المحافظة علي الخصوص. فيحكي انه خرج يوم سبت لشراء بعض المرطبات لأسرته في احد الاحياء بمدينة منتريال. وعند خروجه من مكان بائع الحلويات التقي بشاب يهودي ينتمي إلي اليهود المتزمتين والذين ينحدرون مما كان يسمي ببلدان اوروبا الشرقية. وهي فئة تلبس ثيابا محافظة بالنسبة للنساء والرجال. وطالما يطلق الرجال لحاهم والشباب الذكور شعر رؤوسهم بحيث تنزل خصائل شعورهم علي آذنهم. وكان لقاء الاثنين عند اشارة الضوء في مفترق شارعين. وعندما اقترح الزميل باللغة العبرية علي الشاب ان ينتظر اشارة الضوء الخضراء قبل عبور الشارع، كان رد الشاب ردا غاضبا وكأنه يقول للزميل انا لا اقبل نصيحة يهودي مثلك يتسوق ويشتري المرطبات (التي كان يحملها) في يوم السبت المقدس . اي ان هوية الزميل لا يمكن ان تكون هوية يهودية حقيقية كاملة طالما انه لا يحترم طقوس يوم السبت المقدس. اما يوم الجمعة فهو يوم العطلة الاسبوعية الرسمية لكل المجتمعات العربية ذات الاغلبية المسلمة في المشرق والمغرب العربيين.
واذا كانت ايام العطل ذات معني رمزي بالنسبة لهوية الفرد والمجتمع كما رأينا في المجتمعات المسيحية وعند اليهود في اسرائيل وعند بعضهم خارج اسرائيل فالتساؤل يبقي مطروحا بالنسبة لمدي تأثر الهوية التونسية الجماعية بهذا الخليط من يوم الأحد ومن اقل من نصفي يومي الجمعة والسبت كأيام عطلة في كل اسبوع. فمن المؤكد ان العطلة الاسبوعية التي يتمتع بها التونسي يوم الأحد لا تجعله يشعر بانه قد صار ذا هوية مسيحية وربما ان اقصي ما تفعله فيه هو شعوره بالحداثة. اذ ان المجتمعات الغربية المعطلة كل احد هي مجتمعات حديثة وعصرية. اما بالنسبة لعطلته يوم الجمعة ابتداء من الواحدة بعد الظهر فيبدو انها لا تقترن بقوة في ذهنية التونسي بمسألة الجانب الإسلامي للهوية التونسية. فالتونسي، من ناحية، يعطل لبعض ساعات فقط بعد الظهر وهو من ناحية أخري يتمتع بالراحة لنفس تلك الساعات تقريبا يوم السبت. اي ان يوم الجمعة لا يكاد يتميز من حيث عدد ساعات الراحة فيه عن يوم السبت الذي هو يوم العطلة لليهود كما رأينا، وبفقدانه للتميز عن يوم السبت علي هذا المستوي فانه من الصعب القول ان عدم العمل بعد الواحدة بعد الظهر في أيام الجمعة يساعد تلقائيا علي تعزيز الشعور والانتماء للهوية الاسلامية عند التونسي. ومما سبق فان هذا الخليط من اقل من نصف الجمعة والسبت ــ ومن يوم كامل الأحد كعطلة اسبوعية ــ لا يكاد يساعد بالمرة علي تعزيز الجانب الإسلامي في الهوية الجماعية التونسية. والاغلب انه يعمل اكثر علي تعميق الشعور بالتذبذب والضياع في الجانب الإسلامي للهوية عند التونسيين افرادا وجماعات.
احالات
1 ــ عبد الحميد الكاتب ــ حكاية اتاتورك والاسلام، دار اخبار اليوم (مصر) كتاب اليوم العدد 344.
2 ــ لقد اعطي قادة تغيير السابع من نوفمبر اسم الجامعة الزيتونية كلية الشريعة واصول الدين.
3 ــ الطالبي، محمد عيال الله، افكار جديدة في علاقة المسلم بنفسه وبالاخرين، تونس، دار سراس للنشر 1992. ص 124 ــ 125.
4 ــ المصدر السابق ص 126 (5) المصدر نفسه ص 125.
5 ــ الذوادي ، محمود، في سوسيولوجيا اسباب نجاح وتعثر توطين اللغة ــ مجلة (المستقبل العربي) عدد 1990/142 ص 45.
الهوية الإسلامية
الهوية تحفظ سياج الشخصية، وتحدد سماتها. وتعني تعريف الإنسان نفسه فكرًا وثقافة وأسلوب حياة.. أو هي مجموعة الأوصاف والسلوكيات التي تميز الشخص عن غيره.
ولا بد للإنسان من هوية تميزه عن غيره، كأن يقول مثلًا أنا مسلم، أو يزيد: منهجي الإسلام، أو يزيد الأمر دقة فيقول: أنا مؤمن ملتزم بالإسلام، من أهل السنة والجماعة.
وكما ينبغي أن يكون للفرد هوية تميزه عن غيره ويعرف بها، كذلك ينبغي أن يكون للمجتمع والأمة هوية مستقلة تتميز بها عن غيرها. فهناك مجتمع إسلامي، ومجتمع علماني، وهناك النصراني، وأيضًا الشيوعي والرأسمالي.. ولكل منها مميزاتها وقيمها ومبادؤها.
وكلما توافقت هوية الفرد مع هوية المجتمع تعمق إحساسه بالانتماء لهذا المجتمع واعتزازه به وانتصاره له، أما إذا تصادمتا فهنا تكون أزمة الاغتراب. قال صلى الله عليه وسلم: بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء. رواه مسلم.
ونظرًا لأن للهوية علاقة أساسية بمعتقدات الفرد ومسلماته الفكرية، فإنها هي الموجه لاختياره عند تعدد البدائل، وهي التي تجعل سلوكه ذا معنى وغاية، كما أنها تؤثر تأثيرًا بليغًا في تحديد سمات شخصيته وإضفاء صفة الثبات والاستمرار على هذه الشخصية، فلا يكون إمعة ولا منافقًا، ولا ذا وجهين.
وبالنسبة للمجتمع فإن الهوية هي التي تربط بين أفراده والتي إذا فقدت تشتت المجتمع وتنازعته التناقضات.