فهرس الكتاب

الصفحة 550 من 719

ثانيًا: إن من السذاجة التي لا يريد الإسلام أن تكون في أهله أن نعتبر أن كل من يدخل الصف الإسلامي هو مسلم صادق، بل ينبغي أن نفترض - وهذا هو الواقع - أن هذا الصف فيه من يتنمي إليه بصدق، وفيه من ينتسب إليه بالكذب، أي فيه المؤمن وفيه المنافق، فلا ينبغي أن تكون المشاركة في بعض المظاهر الشكلية كافية لاشتراك جميع المواضيع، بحيث يغيب التفريق بين دائرة الساحة العامة التي يستوعبها الإسلام الحكمي ودائرة الساحة الخاصة التي دلت بعض الأحداث على أنها تشكل فريق المؤمنين. فغياب هذا التفريق يؤثر تأثيرا بالغا على صياغة المشروع الحركي للجماعة المسلمة.

ثالثًا: إن التمييز بين المنافقين والمؤمنين داخل الصف الإسلامي أمر مقصود للرب جل وعلا، قال تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّب} [آل عمران:179] ، فهو يريد أن يفرق بين المؤمنين (الطيب) والمنافقين (الخبيث) ، ولا يريد أن يبقى الاختلاط الذي لا يعرف معه أين الصادق من الكاذب، وهي إشارة واضحة إلى ضرورة الحرص على طهارة الجسم الداخلي للجماعة المسلمة، وعدم التساهل في الضم التنظيمي للأفراد تحت دعوى أن الكل يشمله وصف الإسلام، قال تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} [التوبة:43] .

لكن ما هو الهدف من تمييز المؤمنين عن المنافقين؟ هل هو أن نقول هؤلاء مؤمنون ما شاء الله، وهؤلاء منافقون أعوذ بالله، فلا يتعدى سقف الاستفادة من هذه السنة مجرد الكلام؟ أم أن المقصود من هذا التمييز هو شيء آخر يجب أن يستعلي عن الانحصار في الظاهرة الصوتية؟

العلمانية وخديعة استبعاد الدين

[الكاتب: يحيى هاشم حسن فرغل]

زعموا أن العلمانية سر التقدم في العالم المعاصر الذي ما حدث إلا بخلع الدين.. ولقد زيفوا فيما زعموا.. ثم كذبوا..

أما أنهم زيفوا فذلك أنهم - ضمن"حرب المصطلحات"كما بينا في المقال الأسبق - أدخلوا إلى البيئة الإسلامية مصطلح العلمانية، لغير مشكلة فيها، ثم استوردوا له المشكلة، ونادوا بدوره في حلها!!

وأما أنهم كذبوا فلأن الدولة الدينية مازالت في صلب الدولة الحديثة شديدة التطور في أوربا وأمريكا

وقد بينا في مقال سابق أنه في علاقة الغرب بنا كانت حروبهم معنا دينية، ليس ذلك فحسب في حروبهم التاريخية المتقادمة ضدنا في الحروب الصليبية، أوفي حروبهم ضد المسلمين في الأندلس ولكن في حروبهم ضد المسلمين في عقر دار العصر الحديث عصر التنوير والحداثة لإبعاد المسلمين عن دينهم أولا ثم لتنصيرهم من بعد ذلك وهاهو التنصير في فرصته التاريخية ومرحلته الجديدة بدءا من العراق.

وسوف نبين في مقال قادم نشاط كنائس الغرب في مجال السياسة نشاطا يلقى الاحتفال والاحترام والاعتراف والتقدير من الجماهير والرأي العام وأصحاب النفوذ على السواء إلى حد اشتراك العلمانيين أنفسهم في"زفة"هذا التقدير.

وسنبين هنا تداخل المفاهيم الدينية في بنية الدولة في الغرب وخططها السياسية مما يلقي على دعاة العلمانية بتهمة خداع الرأي العام الإسلامي في دعوتهم إياه إلى استبعاد الدين بحجة التقدم!!

ونهتم بأن نذكر من ذلك كله ما كان قبل ظهور مجموعة بوش والمحافظين الجدد قبيل الحادي عشر من سبتمبر 2001 رفعا لتوهم أنها حالة عابرة.. كما أننا لم نقتصر على ملابسات خاصة بأحزاب المحافظين أو المتشددين رفعا لتوهم أنها حالة حزبية معزولة.. كما أننا لن نذهب بعيدا في التاريخ رفعا لتوهم أنها حالة ماضوية كما يود العلمانيون لنا أن نفهم.

وإذا كان من المشهور اليوم ظهور التلاحم بين السياسة والدين في مجال البروتستنت - في نموذج المحافظين الجدد - فسوف نهتم هنا بإبراز ذلك التلاحم في مجال الكاثوليك.. وإذا كان من المشهور اليوم اشتغال رجال السياسة بالدين فسوف نهتم هنا غالبا بإبراز اشتغال رجال الدين بالسياسة.

وفيما يختص ببيان تداخل المفاهيم الدينية في بنية الدولة في الغرب وخططها السياسية:

يقول الأمير شكيب أرسلان: (هل يظن الناس عندنا في الشرق أن نهضة من نهضات أوربا جرت دون تربية دينية؟ أفلم يقل رئيس نظار ألمانيا في الرايستاغ منذ ثلاث سنوات - نشر الأمير كتابه عام 1930: إن ثقافتنا مبنية على الدين المسيحي؟) [أنظر لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم: طبعة 1965 / ص 147] .

وفي ألمانيا الديموقراطية قبل الاتحاد الذي تم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي - وقد كانت تقوم على تعاليم ماركس وإنجلز ولينين أصبح مارتن لوثر - بالرغم من ذلك - أحد آبائها الأيديولوجيين، حيث اعتبرته المدرسة الماركسية من خلال إنجلز رائدا لثورة اجتماعية سياسية لم يكن عنده الجرأة على استيعاب ما يترتب عليها!!

أما في ألمانيا الاتحادية - وأيضا بعد اندماج الألمانيتين بالطبع - فإن الدين ملتصق بالدولة تحمي مؤسساته ومصالح هذه المؤسسات سواء كانت لوثرية أو كاثوليكية، والكنائس في ألمانيا تعتبر أغنى كنائس العالم، والتعليم الديني إجباري في المدارس إلى سن الرابعة عشرة، إذ يفرض على الطالب البروتستانتي تعلم اللوثرية، وعلى الطالب الكاثوليكي تعلم الكاثوليكية.

وفي بريطانيا: أين هو الفصل بين الكنيسة والدولة؟ أليس ملك بريطانيا هو رئيس الكنيسة في الوقت نفسه؟

وإذا كان العلماني المعروف الأستاذ أحمد بهاء الدين أراد أن يخفف عنا هذه الحقيقة بقوله: (ملكة انجلترا هي رئيسة الكنيسة الإنجليزية ولكنها لا تأمر أو توجه ناقلة رأي الكنيسة إلى البرلمان المنتخب من الشعب) ، فإن الحقيقة لا تنتهي عند هذه النقطة كما يريد لنا الكاتب أن نفهم، لأن السؤال هو: وما دور البرلمان المنتخب من الشعب بعد أن تنقل إليه الملكة رأي الكنيسة؟

واقرءوا معنا قصة الإفخاريستا... يقول الأمير شكيب أرسلان: (لم يحدث في التاريخ أن مسألة من مسائل انجلترا الداخلية أخذت في الأهمية الدور الذي أخذته قصة"الأفخاريستا"وهي قصة تحول الخبز والخمر إلى جسد المسيح..

وأصل هذه العقيدة ما رواه الإنجيل من أن السيد المسيح عليه السلام قبل صعوده إلى السماء تمشى مع تلاميذه وودعهم، وبينما هو على المائدة تناول لقمة من الخبز وقال: كلوا هذا جسدي، وشرب جرعة من الخمر وقال: اشربوا هذا دمي، فتكونت من هذه الكلمات في النصرانية عقيدة معناها أن الخبز والخمر يستحيلان إلى جسد الرب تماما حقيقة لا مجازا، ولما كان القسيس هو خليفة المسيح كان لابد له كل يوم عند التقديس في الكنيسة أن يتناول لقمة من الخبز ويشرب رشفة من الخمر وهو يتلفظ الكلمات التي تفوه بها السيد المسيح عليه السلام في أثناء عشائه مع الحواريين. فمتى فعل ذلك تحول هذا الخبز وهذا الخمر إلى جسد الرب حقيقة لا مجازا، ولذلك يوضع هذا الخبز ويسمونه القربان في حُق ثمين فوق المذبح من الكنيسة، ويسجدون له، وذلك باعتبار أن هذا القربان هو الإله نفسه، ويسمون وجود الله فيه بالحضور الحقيقي.

وقد كانت هذه العقيدة هي عقيدة المسيحيين جميعا ولا يزال عقيدة أكثرهم إلى اليوم، إلا أنه عندما جرى الإصلاح البروتستانتي تغير الاعتقاد عند أتباعه بقضية الحضور الحقيقي، وقالوا: إن هذا مجاز لا حقيقة، وأنه مجرد رمز وتذكار، وعدلوا عن وضع القربان فوق المذبح والسجود له باعتبار أنه هو الإله بذاته، وصاروا في كنائس البروتستانت يجعلون هذا القربان في تجويف خاص به من الحائط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت