ثالثًا: الظاهرة الإسلامية، حيث يعتبر البعض أن الفجوة بين الجماعات المختلفة هي نتيجة لسياسة الدولة.
رابعًا: وضع المسلمين الاجتماعي (الطبقي) ومشكلة الاندماج في المجتمع العام.
واعتبر نيبلوك في الخلاصة أن بنية الدولة البريطانية سمحت بإنشاء أرضية للجاليات الإسلامية البريطانية تساعدها على المحافظة على عاداتها وشعائرها وهويتها.
أزمة الهوية الإسلامية في البلدان المغاربية
السبت:29/06/2002
(الشبكة الإسلامية) - الرباط
تتعدد الأخطار المحدقة بالهوية الإسلامية في منطقة المغرب العربي لأسباب متنوعة، ويأتي على رأس الأخطار الخارجية ذاك المتمثل في الغزو الثقافي الهادف إلى تغيير منظومة القيم الأصيلة، فيما تبقى الأدهى والأمر هي الأخطار الداخلية التي يشكلها وكلاء الاستعمار من أبناء البلاد.
الأخطار الخارجية
الباحث الإسلامي محمد يتيم، عضو المكتب التنفيذي لحركة التوحيد والإصلاح ورئيس تحرير جريدة"التجديد"المغربية، يقول في هذا الصدد: إن الأخطار الخارجية، ثقافية أو لغوية أو دينية أو سواها، كانت دائما موجودة، وإن وجود تيارات فكرية أخرى، أو منظومات حضارية أخرى، هي سنة من سنن الوجود الاجتماعي البشري، وهو ما جاء ذكره في القرآن الكريم في قوله تعالى:"ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا"وهو تأكيد واضح على وجود مخاطر خارجية تتهدد الوجود الحضاري الإسلامي فالعالم الإسلامي كان دائما عالمًا مفتوحًا.
وإذا رجعنا إلى التجربة الإسلامية الأولى في مكة المكرمة، نلاحظ أن هذا الدين الحنيف نزل في جو معادٍ، كان المشركون يعادون الدعوة، وانتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة حيث وجد اليهود الذين عقد معهم عهدا سرعان ما خانوه، ,إذا رجعنا إلى غزوة الخندق وجدنا أنها مؤامرة عالمية، في ذلك الزمان، تحالف فيها المشركون مع اليهود، ثم تحالف معهم المنافقون الذين ينتسبون للإسلام ظاهريا لكن قلوبهم مع أعداء الأمة فالأخطار كانت دائما موجودة، والآخر كان دائما موجودا.
صحيح أن الإسلام خرج من شبه الجزيرة العربية، لكنه لم يكن دينا عربيا فقط، وإنما هو لجميع الأجناس التي دخلته بثقافاتها، فتجمعت تحت لوائه الثقافة الفارسية، والثقافة الرومانية، والثقافة اليونانية بفلسفتها وبتصوراتها، ومن خلال هؤلاء وأولئك دخلت منظومات دينية أخرى من وثنية ومجوسية ويهودية ونصرانية، لكن هذا كله وجد ذاتا مسلمة قوية ومحصنة، صحيح أن أشكالا من التأثر بهذه المنظومات كانت تظهر من حين لآخر في الحياة الثقافية، وحتى في الحياة السياسية، لكن رغم ذلك، نجد أن الإسلام، حيث كان يشكل قوة حضارية، كانت له قدرة على الاستيعاب، لأن المسلمين كانوا قادرين على احتواء كل الأخطار الخارجية.
والفرق الآن هو أننا نوجد في مرحلة حضارية، وفي مرحلة ثقافية مغايرة، تشكو فيها ذواتنا من اهتراء من الداخل، ولا تقوى على المقاومة، لذلك فإن هذه الأخطار يبدو أثرها واضحا في جسمنا الحضاري وفي جسمنا الثقافي.
ولا يمكن أن نتحدث عن أثر التحول من وضع الريادة الحضارية إلى وضع التبعية الحضارية، دون أن نتحدث عن عامل الاستعمار الذي هيمن على هذه المنطقة ردحا من الزمن، يختلف باختلاف دولها، وهذا الاستعمار علينا أن نفهمه في إطار صيرورة معينة، فهو إنما جاء نتيجة لما يمكن اعتباره بالوهن الذي أصاب الذات الحضارية الإسلامية بهذه الديار.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأَكَلة إلى قصعتها. قالوا: أَمِنْ قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل إنكم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من قلوب أعدائكم ، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت".
فالظاهرة الاستعمارية جاءت نتيجة تغيرات وقعت في البنية الإيمانية والنفسية والفكرية لأبناء هذه المنطقة، كما وقعت في اهتمامات الإنسان المسلم، الذي لم يعد ذلك المرتبط بالآخرة، المستعد للجهاد وللتضحية في سبيل الله، وغير المرتبط بمتاع الدنيا وزخرفتها، وإنما أصبح إنسانا دنيويا استهلاكيا، همه إرضاء نزواته الشخصية، فما عاد يعيش لقضية الأمة، وإنما أصبح يعيش لذاته الصغيرة، لذلك وقع ضعف وخلل، فتفككت القوة الروحية، وضعفت الفكرة الإسلامية، ووقعت انحرافات فكرية وسلوكية جماعية وفردية، وبالتالي تفككت شبكة العلاقات داخل المجتمع الإسلامي، كما يقول المفكر الجزائري مالك بن نبي، وظهرت فينا القابلية للاستعمار.
في هذه الأجواء جاء الاستعمار نتيجة لما سبق، فقام بتفكيك ما تبقى من منظومة القيم داخل المجتمعات الإسلامية، فكك المؤسسة التقليدية وفكك التعليم، وفكك النظام السياسي، وكانت عملية التفكيك منهجية طالت جميع مجالات الحياة، وبدأ الاستعمار يرسي مؤسساته في الاقتصاد، فظهر النظام الربوي مثلا، وفي مجال التعليم جاءت المدرسة الاستعمارية لإلغاء المدرسة الإسلامية، التي كانت منتشرة في مختلف دول المنطقة.
ويقول هذا الباحث: إن الاستعمار العسكري والاقتصادي، إنما كانت غايتهما تحقيق الاستعمار الثقافي، الكفيل بتغيير منظومة القيم الأصلية، لتيسير التبعية، فنشأ فينا، وهذا هو الأخطر، ناس يتكلمون بألسنتنا، ويسمون بأسمائنا، لكن قلوبهم قلوب الأعاجم، وأصبح بيننا ناس يدافعون عن الاستعمار، في وجه الدعوة لتطبيق الشريعة.
وهكذا فإن ثمار الاستعمار تمثلت في النخبة التي تولت الحكم في المنطقة، ليس الحكم السياسي بمعناه الضيق، وإنما بمفهومه الواسع الذي يشمل السلطة السياسية والاقتصادية والثقافية ، هذه النخب تشكلت تحت عين الغرب وبرعايته، وبالتالي فبعد خروج الغرب من الباب، عاد من النافذة عبر هؤلاء الذين نسميهم وكلاء الاستعمار داخل دول المغرب العربي.
فالنخبة الفرنكفونية تجد نفسها اليوم، ربما دون وعي، موالية للغرب فكريا وثقافيا، وتدافع عن قيمه، وهذا من أخطر آثار الغزو، لأنه في تغلغله تسلح بالمدرسة، التي ما يزال الصراع قائما بشأنها مع المستعمر إلى اليوم، فلا يزال وكلاء الاستعمار من أبناء المنطقة، يصرون على أن تبقى الهيمنة للغة الفرنسية في مناهج التعليم وفي وسائل الإعلام وفي الاقتصاد الوطني، وكل المحاولات التي تم بذلها لتعريب الحياة العامة في دول المغرب العربي، ظلت تصطدم بالتدخل الفرنسي السافر من جهة، وبوكلاء الاستعمار من جهة أخرى.
الأخطار الداخلية
ورغم ما يبدو من فداحة الأخطار الخارجية، فإن أول ما يتهدد الهوية الإسلامية في البلدان المغاربية، هي الأخطار الداخلية بالأساس، فحينما تكون ذواتنا قوية ومحصنة، فإن الأخطار الخارجية سيبقى أثرها محدودا، أما عندما نفتقد الحصانة الكافية لمقاومة الأخطار الخارجية فإننا نصبح مجرد قصبة في مهب الريح.
فالمشكل الأساسي ليس في الأخطار الخارجية، وإنما في ذواتنا نحن، وهل هي صلبة كالنخلة التي تأتيها العواصف العاتية فلا تحركها، المشكل هو في دواخلنا، مصداقا لقوله تعالى:"أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم: أنى هذا قل هو من عند أنفسكم".
فحينما تكون ذواتنا غير محصنة، وحينما لا نكون مهيئين لنتفاعل مع الثقافات والتيارات الخارجية، فإننا نكون عرضة لكل الآفات.