فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 719

ومن أسف أننا وهبنا ـ للغرب ـ قلوبنا وعقولنا، ووضعنا أنفسنا في القالب الذي يوافقه. لقد كان كل هذا نتيجة حتمية لهذا المسخ والتقليد والتبعية المطلقة والتهالك على الطارئ. كل ذلك أردى أدبنا العربي في أوحال المادية والعبثية والفحش، وأجهض الكلمة الطيبة بالغموض والنثرية، وتتمثل هذه التبعية ـ بوضوح شديد ـ في المناهج النقدية، وفي فصل الأدب عن الفكر الإسلامي، وبإعلاء الشخصيات المشبوهة، وبالسقوط الأخلاقي، وبضرب لغة القرآن، ومحاكمة الشخصيات الإسلامية بمعايير مادية وفلسفية. وكسر الثوابت، والإيمان بشمولية التغير واستمراره.

ـ كذلك؛ فإن من أشد آثار التغريب والتقليد الفج للآداب الأجنبية أنك تجد الأدب العربي الحديث يعيش بلا هوية، وبلا تماسك، وبلا خصوصية، وأعقب ذلك نهوض أقلام مؤثرة لنبش العفن في موروثنا الأدبي، بحجة أنه موروث، فجاء إحياء الفكر الاعتزالي، والوثني، وشعر الخمر، والمجون، والغزل الفاحش، كما أعيدت ظواهر أدبية وشخصيات مشبوهة لم تكن حاضرة في الذهن رغبة في تحولها إلى قدرة سيئة للناشئة؛ فمثلًا تجد الصعاليك، والزنادقة والشعوبيين والباطنيين، وغلاة المتصوفة، كل أولئك يترددون على ألسنة الأدباء وبشكل لم يسبق له مثيل.

ـ ليس هذا فحسب، بل إن هذا الأدب العربي الحديث ـ بكل أجناسه ـ قد ازداد تأثرًا بالمذاهب الأدبية الغربية في لهاث مسعور منذ منتصف القرن العشرين، وتحول بعضه على يد «المتغربين» إلى دعوات فاجرة وهجوم شرس على العقيدة الإسلامية وتراثها، وصار جهدًا دؤوبًا لتأصيل القيم الغربية في الفن والحياة، ولم يقتصر التأثير على استعادة الأدوات الفنية، بل امتد إلى الخلفيات الفكرية والفلسفية التي تصدر عنها المذاهب الأدبية الغربية، وقد صدرت قصص ودواوين تحمل صورتها وتدعو إليها صراحة وضمنًا.

ـ وتبعًا لذلك؛ فقد توزع قسم من أدبنا خلف الأيديولوجيات المختلفة، فوجدت الماركسية قبل سقوطها أدباء يجسدون أفكارها، ويدعون ـ من خلال أعمالهم الأدبية ـ إلى الالتحاق بها، ووجدت نقادًا يجتهدون في تثبيت الواقعية الاشتراكية «الصياغة الأدبية للماركسية» .

وبالمثل تمامًا؛ فقد وجدت الكتلة الغربية أبواقًا تدعو بقوة إلى اعتناق حضارتها وتقليد فنونها وآدابها.

ومما يدعو للدهشة أن تجد أن النصرانية التي هُزمت في بلادها وعُزلت عن الحياة منذ عصر النهضة، قد دخلت بفضل الغزو الفكري المكثف والضخ الغربي المستمر إلى نتاج عدد من أدبائنا، وقد خلف هذا التيار وذاك آثارًا خطيرة في الأدب المعاصر، وفي مقدمتها الرموز النصرانية المتفشية في الشعر الحديث، وقصص الإنجيل التي أصبحت مادة أساسية لعدد كبير من الشعراء والقاصين.

ـ إلى جانب هذا وذاك، قد تجد أدبًا وجوديًا، وماركسيًا، ومذاهب واتجاهات تسرح وتمرح في وسطنا، وتسهم في تلوُّث وعينا يتبنّاها أبناء المسلمين ويبشرون بها، ويسعون لتكريسها، أو على الأقل يمنحونها مشروعية الوجود، ولا في معاشرتها، وطرد الغربة عنها.

وهكذا اختلطت الأصوات، وتوزع قسم وافر من أدبنا المعاصر وراء المذاهب الأدبية الغربية «المستوردة» ، وحمل أدواتها الفنية من جهة، وقيمها وتصوراتها من جهة أخرى، ففقد كثيرًا من ملامح الشخصية العربية الإسلامية، وتحول إلى حربة تهاجم الإسلام والمسلمين في عقر دارهم.

ومما يزيد الطين بِلَّة ظهور أعمال أدبية تعبث بالقيم الخلقية ـ التي يحرص عليها الإسلام ـ عبثًا شديدًا، وتصوّر العفن والهبوط والنزوات الجنسية المحرمة على أنها عواطف إنسانية رقيقة جديرة بالاهتمام، وتسوّغ التحلل والتفسّخ وتسعى إلى ترسيخه في أعماق الشباب والفتيات تحت ستار الحرية الشخصية.

وقد لاقى هذا الأدب الرخيص تشجيعًا من بعض الأجهزة ومن الهيئات والمؤسسات الثقافية والإعلامية في كثير من بلادنا المغلوبة على أمرها؛ كما أقبلت دور النشر على هذا الأدب المكشوف في سباق محموم، وغطى واجهات المكتبات، بل تسلّل ـ بكل ما فيه من إثارة وتهديم ـ إلى حقائب المدارس ومخادع النوم.

وصارت هذه الأعمال ـ بفضل التطبيع والتغريب والأمركة ـ صارت عنوانًا لـ «التنوير» و «الموديرنزم» ، وشعارًا لـ «الحداثة» ، وطريقًا لـ «التفكير العلمي» الصحيح، وتمشيًا مع «روح العصر» وآفاقه وأشواقه الحارة.

ومع كل ما فعله هؤلاء القوم من بني جلدتنا، فإن إيماننا أن الثقافة العربية والإسلامية لهي أقوى من أن تشوّه روعتها بعض الأتربة العابرة، أو أن يطمس نورها الذين يحاولون حجب الشمس بغربالهم الهزيل.

وأخيرًا:

أرجو ألا أكون قد نكَّرت لأحد عرشه، أو وضعت «السقاية» في رحله... فأنا لم أجهر بالقول ولم أخافت، ولعلِّي ابتغيت وراء ذلك سبيلًا.

(*) عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية.

جمادى الآخرة 1425هـ * يوليو / أغسطس 2004م

محاولات محمومة لسلخ تونس عن دينها وهويتها العربية الإسلامية

سيد فرجاني

إنّ تونس ومعظم بلدان المغرب العربي الإسلامي هي سنّية مالكيّة المذهب وتمتاز بتجانس كبير في تركيبتها القيميّة الإسلاميّة ممّا أتاح لها أرضيّة خصبة جادّة لصهر الإثنيّات المختلفة في المنطقة ضمن الجسم الإسلامي الكبير من ناحية، والقدرة الناجعة والضّروريّة لمواجهة الحملات الاستعمارية المتكرّرة على منطقة ثغور المغرب الإسلامي الواردة من شمال البحر الأبيض المتوسّط.

وبعد الاحتلال الغربي لمنطقتنا المتوازي مع التّخلّف العلمي والتّمزّق القطري إضافة لبروز وتكريس للّدولة الحداثيّة الّتي أصبحت أهمّ أداة لدى الاحتلال البعدي ثقافيّا واقتصاديّا وسياسيّا، حيث تواصلت عمليّات السّيطرة الأجنبيّة على مستويات عدّة: في القصر وأجهزة الأمن ومناهج التّعليم والثّقافة وحتّى الاستخبارات وأجهزة الأمن فضلا عن الإقتصاد والقوانين، ممّا أحدث بل وكرّس آنفصاما مركّبا ومعقّدا بين الشّعوب ونخب الحكم المسنودة من الخارج ضدّ إرادة تلك الشّعوب المقهورة.

ثمّ تواصل تكريس هذه الدّكتاتوريّة المزدوجة ضدّ حسّ شعبي مرهف ضدّ الاحتلال القديم والجديد بشتّى صوره، والّذي بقي يتطلّع لحلول تردّ عن هذه التّحدّيات الأجنبيّة مجتمعة وتحفظ من خلالها مصالح الأمة في التّنمية البشريّة والاقتصادية والتكنولوجية في ظلّ نظام سياسي يسيّد الشّعب والحقوق والفرديّة والعامّة لكلّ مكوّتات مجتمعاتنا.

لكنّ النّخبة"البارّة"رغم محاولاتها المتنوّعة في مجالات كثيرة لم تبرهن بعد على قدرتها على القيام بأعباء التّحرير والتّنمية الشّاملة سواء في المجال التّنظيري أو العملي، وهذا رغم التّبرير المعقول لكن غير المقنع من ِقبل الإتّجاه الإسلامي"أنّ الأنظمة لم تتوقّف عن قمع وهرسلة تنظيماته و أتباعه"دون إغفال مناخ غياب الحرّيات في التّعبير والتّنظّم لمخالفي السّلطة المسنودة من قبل الديمقراطيّات في أوطانها والتي هي قوى احتلال وإفساد للأنظمة الموالية لها خصوصا أثناء الحرب الباردة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت