ولكن الحقيقة ان الموقف يدل على زاوية أخري وهي أن الغرب وجد أن علمانيته تحافظ على هوية المسلمين رغم التزامهم بالقوانين؛ فلم يجد مفرًا من الدخول في المعركة لإثبات الذات والهوية الغربية التي نجح في ترسيخها عبر وكلاء له في دول المسلمين. ويبقى ان المستجدات بالنسبة لكل تعارض مع أحكام الإسلام سوف تكثر؛ لأن مناخ الضعف والتمزق والانفلات من أحكام الإسلام والتسيب يسود العالم العربي والإسلامي. وأيضًا لا ننسي أن العولمة من مقاصدها تذويب الهوية الإسلامية، والفرصة متاحة الآن في ظل حالة العداء ضد الإسلام المعنونة بـ (الحرب ضد الإرهاب) والحرب ضد الحجاب أهم مدخل لتفكيك هوية المرأة المسلمة التي هي نصف المجتمع وأساس الأسرة؛ فإن انعدمت هويتها تزلزل المجتمع وانهارت الأسرة إسلاميًا، وبقي الوجه الغربي ظاهرًا في الحياة في بلاد المسلمين. ولكن كما سبق هي معركة لها طرف آخر وهم المتمسكون بأحكام الإسلام الذين يجاهدون بكل الطرق للحفاظ على الهوية والحفاظ على المجتمع والأسرة ليظل الصراع مستمرًا. وبقي أن الحرب ضد الحجاب مظهر ووجه من أوجه الصراع ضد الإسلام بأشكال وأنماط مختلفة ومتنوعة.
محام وكاتب إسلامي من مصر.
ضجة جديدة حول الحجاب تفتح ملف حقوق المسلمين في فرنسا
فوزية محمود سليمان
أثيرت مجددًا في عدد من البلاد الأوروبية ظاهرة انتشار الحجاب (غطاء الرأس) بين زوجات وبنات المهاجرين المسلمين المقيمين في تلك البلدان، وفي الوقت الذي أقرت فيه محكمة ألمانية يوم الثلاثاء 27/7/1424هـ الموافق 23/9/2003م، حق واحدة من المعلمات من أصل أفغاني في إحدى المدارس الحكومية، بلبس الحجاب بعد أن منعت من ذلك أثناء ممارسة التدريس، عبرت «توقية سيفي» وزيرة التنمية في حكومة يمين الوسط الفرنسية، عن معارضتها الشديدة لارتداء الطالبات المسلمات الحجاب الشرعي في المدارس الفرنسية، وقالت إنها ستبذل كل ما في وسعها لمنع مثل هذا الأمر.
? إعادة موظفة محجبة بأمر المحكمة:
ولعل قصة الحجاب في فرنسا قد أخذت بُعدها المناسب في الصحافة والتلفزيون الفرنسيين، منذ النصف الثاني من ديسيمبر 2002م، عندما أمرت المحكمة الفرنسية شركة كبرى في باريس، بإعادة موظفة مسلمة إلى عملها كانت قد فصلتها من العمل بسبب ارتدائها الحجاب في عملها.
وطالبت المحكمة شركة إس. آر تيلي بيرفورمانس للهواتف؛ بأن تدفع لـ «دليلة طاهري» (30 عامًا) الجزائرية المولد، كافة أجورها التي لم تتقاضها منذ فصلها في يوليو السابق 2002م، مع دفع غرامة مالية قدرها ألف يورو بسبب الفصل التعسفي للموظفة المذكورة.
وفصلت دليلة ـ التي ترتدي الحجاب منذ ثماني سنوات ـ من عملها بعد أن رفضت الإذعان لمطالب مديرها بأن ترفع الحجاب عن جبهتها ورقبتها، ودفعت دليلة أمام المحكمة في العاصمة باريس بأن دينها يمنعها من ذلك، ورفضت افتراضًا بأن ارتداء الحجاب يقلل من شأن المرأة، وقالت في مقابلة معها للتلفزيون الفرنسي بعد الجلسة: «بالنسبة لي، فالمرأة والرجل متساويان (1) ، ويجب أن تتمكن المرأة من العمل وتشارك في المجتمع الذي تعيش فيه» ، بينما علقت المحامية والخبيرة في قضايا الهجرة إيمانويل هاوز فيليزون قائلة: «إن الحكم يرسي سابقة في أكبر تجمع للمسلمين في أوروبا» ، وأضافت: «إذا قرر صاحب عمل آخر فصل سكرتيرته؛ لأنها ترتدي الزي الإسلامي، فإن محاميها سيستخدم هذه القضية» .
ويرى مراقبون أن هذه القضية أتت يومها في سياق محاولة الدولة العلمانية التي تقطنها أغلبية كاثوليكية متعصبة، تحسين العلاقات مع خمسة ملايين مسلم من سكانها. وقال تينو جرومباش محامي دليلة: «إن هذا يثير تساؤلات عما إذا كان ذلك مؤشرًا على تحول في المناخ العام للشركة التي سمحت بالحجاب ثم غيرت رأيها بعد 11 سبتمبر» .
لكن القضية لم تنته بعد صدورالحكم، إنما بدا وكأنها قد بدأت؛ حيث بدأت حملة إعلامية مكثفة تحت ستار سياسي خفي، يعلن عن حيرته بين شعارات الحرية التي نصت عليها فرنسا العلمانية في صلب دستورها، وبين ضغط الرأي العام الكاثوليكي الذي أصبح يشعر بكثير من عدم الارتياح للتوسع الأفقي الذي يحققه المد الإسلامي بين ثنايا المجتمع الفرنسي.
? المحفل الماسوني يقرر:
وكان على جان بيير رافاران، رئيس الوزراء الفرنسي الذي لم تمض أيام على توليه منصبه أن يدلي بدلوه، ويفصح عن رأيه ـ في أول لقاء له ـ أمام أكبر لوبي ضغط في فرنسا، وهو المحفل الماسوني الفرنسي، يوم الأربعاء 25/4/1424هـ الموافق 25/6/2003م؛ حيث قال ردًا على سؤال عدد كبير من أعضاء المحفل: «إن فرنسا ربما تصدر قانونًا جديدًا يحظر الحجاب الإسلامي وغيره من الرموز الدينية (الإسلامية) في المباني والمدارس العامة، إذا لم يحترم هؤلاء الناس السياسات العلمانية للجمهورية.
وأوضح رافاران أمام المحفل الماسوني الفرنسي أنه يأمل أن تكون التقاليد العلمانية لفرنسا من القوة، بما يكفي لأن يحترمها كل السكان، قائلًا: «إذا لم يكن هناك إجماع وخاصة على الرموز والسلوك المرتبط بالدين في المنشآت العامة، فلن أتردد في فرض احترام العلمانية بالقانون» .
ورأى بعض أعضاء المحفل أن يتقدم عدد من النواب المحافظين بطلب إصدار «قانون بحظر الحجاب» ، لكن آخرين ترددوا وكشفوا القناع عن حقيقة ممارسة العنصرية ضد المسلمين، وعبروا عن خشيتهم مما يمكن أن يترتب على ذلك من عواقب، مثل حظر غطاء الرأس اليهودي التقليدي، أو تعليق قلادة الصليب التي ترتديها الفتيات النصرانيات، وغير ذلك من مظاهر دينية هي جزء من ممارسات الشعب الفرنسي.
إلا أن التقارير الصحفية الفرنسية التي لم تعلم ما دار في كواليس المحفل الماسوني، ارتفعت حدتها أكثر من ذي قبل ضد فتيات يرتدين الحجاب في المدارس، وضد حمامات سباحة البلدية التي اضطرت لتخصيص فترات للنساء استجابة لطلب جماعات إسلامية؛ وهو الأمر الذي اضطر معه رئيس الوزراء الفرنسي جان بيار رافاران أن يجدد رفضه لارتداء الحجاب في المدارس والمؤسسات التعليمية الفرنسية، وقال في تصريح له يوم الإثنين 26/7/1424هـ الموافق 22/9/2003م: «إن المظاهر الدينية مثل ارتداء الحجاب الإسلامي لا مكان لها في المؤسسات التربوية في فرنسا» . وأوضح في حديث تلفزيوني أن المدرسة الرسمية لا يمكن أن تكون مكانًا للتعبير عن الالتزام الديني».
وأضاف رافاران أنه مع ممارسة كل فرد ديانته بحرية، ولكنه أعرب عن معارضته للتعبير من خلال المظهر عن الانتماء الديني، مشيرًا إلى أن المدرسة ليست مكانًا للدعاية السياسية والدينية، وأنه: «إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، فإن قانونًا بهذا الأمر سيصدر» .
وفي مواجهة الاعتبارات التي نبه بعض الماسون إلى الخشية من حدوثها صدر قرار بتشكيل لجنة وطنية تهدف إلى إيجاد مساحة تفاهم أوسع حول مبادئ العلمنة في فرنسا، لكن اللجنة سرعان ما أصابها شرخ كبير، بسبب انقسام حاد بين أعضائها، حول حق المسلمات في ارتداء الحجاب، بين مؤيد للمنع الكلي له في المدارس، وبين مؤيد للحوار حوله، ووضع قواعد عادلة تساوي بين المسلمين وغيرهم في إعلان مظاهر عقيدتهم.
? الوزيرة الفرنسية تعلن الحرب: